مشاهدة النسخة كاملة : « سِلْسِلَـةُ تَخْرِيْـجِ أَحَادِيْث الرَّوْضِ الْمُرْبِعِ »


ta3lime
06-29-2009, 12:44 PM
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ


« سِلْسِلَـةُ تَخْرِيْـجِ أَحَادِيْث الرَّوْضِ الْمُرْبِعِ »

لِلشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّـهِ السّريِّع
ـ وَفَّقَهُ اللَّـهُ تَعَالَى ـ


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمدٍ خير المرسلين، المبعوث للناس أجمعين، أوضح لهم منار الهدى، وحذَّرهم طريق الغواية والردى، فأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وصلى الله على آله وصحبه الطيبين المطيبين، وعلى التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:
فإن من أشرف علوم الدين وأنفعها: علمَ الفقه في كتاب الله وسنة نبيِّه -صلى الله عليه وسلم- على نهج السلف الصالح؛ ذلك أن الخيرية متحققة في المتفقه في الدين، بإخبار الصادق المصدوق -صلى الله عليه وسلم- حيث قال: ((مَن يُرِدِ الله به خيرًا يفقهه في الدين))[1] (http://alukah.net/articles/1/6718.aspx#_ftn1).

وقد تتابعت جهود العلماء في العناية بعلم الفقه، وكثرت فيه الكتب والشروحات والحواشي والرسائل، بعد أن تمايزت المذاهب الرئيسة في الفقه الإسلامي إلى المذاهب الأربعة المعروفة.

وكان من جملة تلك الشروحات: ما كتبه العلامة منصور بن يونس البهوتي في كتابه (الروض المربع) الذي شرح فيه متن (زاد المستقنع) للعلامة موسى بن أحمد الحجاوي، وهو مختصر لكتابِ (المقنع) للإمام موفق الدين ابن قدامة -رحمهم الله -؛ الموضوعِ في الفقه على مذهب إمام أهل السنة والجماعة أحمد بن محمد بن حنبل -رحمه الله -.

و(الروض المربع) من أهم كتب الحنابلة في هذا العصر، ومن العُمَد المقدَّمة في توضيح مذهبهم، واهتمام العلماء به وثناؤهم عليه ظاهر، وليس هذا مقام بيان أهمية هذا الكتاب.

وإلى جانب الأركان الأساسية في شرح الكتاب؛ من توضيح المعاني، وبيان المشكل، وتفصيل المجمل، فقد أكثر الشارح فيه من الاستدلال للمذهب بالأدلة الشرعية؛ نصوصًا وإجماعاتٍ وقياسات، فزيَّن الكتاب بجمعه بين النص والاستنباط، وبين الدليل والاستدلال.

ومن جملة تلك النصوص: ما كان منها مرويًّا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أو عن صحابته الكرام - رضي الله عنهم -، وهذا الصنف كثير متوافر في (الروض المربع)، وهو متفاوت في الصحة والضعف ما تتفاوت معه استقامة الاستدلال به وعدم ذلك.

ولا يخفى ما كان لأئمة أهل الحديث وحُفَّاظه من مشاركة فاعلة في تخريج ما يذكره فقهاء المذاهب المختلفة في كتبهم من أحاديث وآثار، ودراسة أسانيدها، وبيان صحيحها من سقيمها، فمن ذلك -تمثيلاً لا حصرًا-: (البدر المنير) لابن الملقن، واختصاره (التمييز) المشهور بـ(التلخيص الحبير) لابن حجر في المذهب الشافعي، ومنه: (نصب الراية) للزيلعي، واختصاره (الدراية) لابن حجر في المذهب الحنفي، وغيرها.

لكن مذهب الحنابلة لم يخدم بمثل ذلك -حسبما وقفت عليه[2] (http://alukah.net/articles/1/6718.aspx#_ftn2) - إلا في وقت متأخر جدًّا، لما خرَّج الشيخ محمد ناصر الدين بن نوح الألباني -رحمه الله- أحاديث كتاب (منار السبيل) في كتابه (إرواء الغليل).

و(الإرواء) إلى جانب كونه سدَّ ثغرة بقيت مفتوحة مدةً طويلة، فإن فيه من الجهد الحديثي في التخريج والنقد ما كان الشيخ الألباني -رحمه الله- ينفرد به في زمانه، ويبزّ به أقرانه.

ثم ظهرت استدراكات وتكميلات ونقد على (الإرواء)، ودارت حوله حركة علمية حديثية مفيدة.

ولكون (الروض) يحوي أحاديث ليست في (المنار)، ولكون الاعتماد على (الروض) أكبر منه على (المنار)[3] (http://alukah.net/articles/1/6718.aspx#_ftn3)، ولما سبق حول (الإرواء)، وباستشارة بعض المشايخ وطلبة العلم؛ تبلورت فكرة تتبّع الأدلة في كتاب (الروض المربع)، واستخراج الأحاديث والآثار منه، وتخريجها تخريجًا موسَّعًا - حسب الطاقة -، ودراسة أسانيدها، والحكم عليها صحةً وضعفًا.

وقد سبقت عدة دراسات في هذا الموضوع[4] (http://alukah.net/articles/1/6718.aspx#_ftn4)، إلا أن الجهد تركَّز في أغلبها على العزو المختصر، دون التوسُّع في التخريج، والدراسة الإسنادية المتعمقة. وما خلا منها من ذلك فلم أرَ له أثرًا، والنفع به -ما دام كذلك- قاصر.

فلذا ولغيره؛ صح العزم على البدء بذلك المشروع، على قلة البضاعة وقصور الزاد؛ مع طول الطريق وعظم الأمر، لكنَّ المأمول من الله التيسير والعون والتوفيق والتسديد، وأسأله -تعالى- أن يكتب بهذا النفعَ والفائدةَ لكاتبه وقارئه، إنه كريم جواد.

ملامح من المنهج المتبع في هذه السلسلة:
• في جمع الأحاديث المخرَّجة:
1- التتبّع الدقيق -حسب الطاقة- لكافة ما استدل به المصنف من أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم - وآثار الصحابة - رضي الله عنهما -، خاصة ما كان استدلال صاحب (الروض) به خفيًّا؛ بإشارةٍ أو نسبةِ قولٍ أو نحو ذلك.

2- مراجعة شروح وحواشي (الروض) لتحديد الدليل المقصود في كلام صاحب الكتاب، وللنظر في الأدلة الزائدة مما قد يصلح شواهد لدليل (الروض)، ولغير ذلك من المقاصد.

ومن تلك الشروح والحواشي:
‌أ- حاشية الشيخ عبدالرحمن بن قاسم -رحمه الله-.
‌ب- حاشية الشيخ عبدالله الغصن[5] (http://alukah.net/articles/1/6718.aspx#_ftn5).
‌ج- تعليقات الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين -رحمه الله- في (الشرح الممتع) على موضع دليل (الروض) من (الزاد).

• في تخريج الأحاديث:
1- محاولة استيعاب مخرِّجي الحديث مع العزو إلى مواضع تخريجهم، ويستثنى من ذلك: إذا نص صاحب (الروض) على إخراجه في الصحيحين أو أحدهما، ولم يكن فيه -مما كان في أحدهما- اختلاف أو علة أو كلام لأحد الأئمة، فيُكتفى بالعزو إلى الصحيحين، وإلى موضعه من كتاب (المسند الجامع).

2- يُستفاد من مطولات الحنابلة في تخريج الأحاديث من كتب أئمة الحنابلة وغيرهم المسندين، المفقود منها والموجود؛ ككتب الأثرم وأبي حفص وسعيد ونحوها.

3- ينظر في البحوث المتقدمة والمتأخرة والمعاصرة في الأحاديث المبحوثة، ويستفاد منها في:
أ‌- زيادة العزو إلى المراجع،
ب‌- وزيادة الأوجه والتعليلات ونحوها،
ج‌- وزيادة النقولات، وغير ذلك مما قد يفوت. ويُستشهَد بترجيح صاحب البحث أو كلامه إن كان ممن يستشهد بكلامه وترجيحاته.

4- عند كون مباحث الحديث طويلة جدًّا لطوله وكثرة ألفاظه -مثلاً-؛ دُرست اللفظة المستدَلّ بها بخصوصها، ويُحال في باقي الحديث على ما كُتب فيه، وإلا اختُصر الكلام فيه بقدر لا يخل بالمقصود.

• في صياغة التخريج ودراسة الأسانيد:
1- ينقل في أول المبحث عبارة (الروض) ودليله، ويكون النقل بسياق الكلمة وسباقها ولحاقها مما يُفهم معه الاستدلال، ويُختصر منه -بالحذف- ما لا حاجة إلى نقله، ويُنقل حكم صاحب (الروض)، ونقلُه أحكامَ غيره، وتخريجه. ويعزى ذلك إلى (الروض) المطبوع معه حاشية ابن قاسم؛ لشهرة الطبعة، وتداولها، والاعتماد عليها.

2- يُصَدَّر التخريج -بعد نقل الحديث- بحكمٍ مختصر -على عادة المعاصرين-؛ ليستفيد العجل وغير المتخصص، ويكون هذا حال احتمل الأمر فعل ذلك.

3- إذا رُوي الحديث عن أكثر من صحابي؛ ذُكر الصحابي، وبُدئ بصحابي دليل (الروض) -إن كان نصَّ عليه-، ثم خُرِّج الحديث من طريقه، ثم ذُكر لفظه، ثم دُرس إسناده مباشرة، ثم ينتقل إلى الصحابي الآخر، ويخرَّج حديثه ويُدرس على النحو السابق.

ويكون ترتيب الصحابة -بعد صحابي دليل (الروض) - حسب ترتيب وفيات مخرِّجي رواياتهم.

4- ترتَّب المصادر في تخريج الحديث الواحد حسب تقدُّم وفاة أصحابها.

5- تكون العمدة في الترجيح على دراسة الأسانيد واختلافات الرواة، والنظر فيها وتحريرها= بالدرجة الأولى، ويُعرَّج في أثناء ذلك على ترجيحات الأئمة. وربما لم يُنظر إلى بعض الأقوال والردود والمناقشات؛ لبُعدها أو عدم الحاجة إليها أو اكتفاءً بالإحالة إليها أول المبحث أو غير ذلك.

6- ربما اختلفت طريقة ترتيب دراسة الأسانيد وعرضها بحسب ما يراه الباحث مناسبًا لحالة الحديث المدروس وطُرُقِهِ والاختلاف فيه.

7- إذا كان الراوي من رجال التهذيب، واحتيج إلى الكلام في درجته وحاله، فما لم يُعزَ من ذلك مأخوذٌ أو ملخصٌ من تهذيب الكمال أو تهذيبه أو تقريبه، وما سوى ذلك معزوٌّ إلى مصدره.

تنبيه: ربما لم يُشَر في هذا العرض إلى بعض المسائل في منهج العمل، ويتضح أمرها -بإذن الله- من خلال النظر في التخريج والدراسة.

راجيًا من عنَّت له ملاحظة، أو رأى خطأً، أو وقف على فوات= أن يبادر بالنصيحة، ويسدَّ الخلل؛ من خلال خدمة التعليقات في هذا الموقع المبارك، والله يشكر له، ويجزيه خيرًا وأجرًا.

وستكون البداية بتخريج أول الأحاديث في المقالة القادمة من هذه السلسلة - بإذن الله -.

وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

ــــــــــــــــــــــــ
[1] (http://alukah.net/articles/1/6718.aspx#_ftnref1) أخرجه البخاري (71، 3116، 7312) ومسلم (1037).
[2] (http://alukah.net/articles/1/6718.aspx#_ftnref2) وقفت على تخريج مختصر كتبه الحافظ ضياء الدين المقدسي لأحاديث كتاب (الكافي) من تأليف خالِهِ الإمام موفق الدين ابن قدامة، قال الشيخ الألباني -رحمه الله-: (هو من جهة التخريج يعتمد على الرمز إذا كان الحديث في شيء من الكتب الستة، وإلا صرح باسم المخرِّج، ولا يذكر أسانيدها إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-)، انظر: فهرس مخطوطات الظاهرية (ص450 -452).
[3] (http://alukah.net/articles/1/6718.aspx#_ftnref3) فالتعليقات على (الروض) وشروحه وشروح أصله كثيرة، بل هو مقرر في الكليات الشرعية في المملكة العربية السعودية، ويُتَّخذ فيها منهجًا أساسيًّا لدراسة الفقه الحنبلي.
[4] (http://alukah.net/articles/1/6718.aspx#_ftnref4) أشار إلى بعضها الشيخ عبدالعزيز ابن قاسم في كتابه (الدليل إلى المتون العلمية).
[5] (http://alukah.net/articles/1/6718.aspx#_ftnref5) وهي في تخريج أحاديث الروض، طُبعت في دار الوطن إلى جانب حاشية فقهية للمشايخ: خالد المشيقح، وعبدالله الطيار، وإبراهيم الغصن.