مشاهدة النسخة كاملة : الحديث الحسن ومسائله


ta3lime
07-03-2009, 05:41 PM
هذه محاضرة للشيخ عبد الرحيم الطحان فرغتها لماوجدت فيها من عضيم الفائدة وهي مبسطة في حد الحديث الجسن وبعض مايتعلق به من مسائل فارجو أن يستفاد منها

الحديث الحسن
معنى الحسن عند أهل الحديث* : ـ
كثرت تعريف أئمتنا للحديث الحسن وهي على كثرتها اختصرت على أمرين الأول ذكره الإمام الترمذي في آخر كتابه العلل بقوله ( وما ذكرنا في هذا الكتاب حديث حسن أردنا به حسن إسناده عندنا وهو كل حديث يروى لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب ولا يكون شاذا ويروى من غير وجه نحو ذالك فهو عندنا حسن ) وهذا التعريف خاص بالترمذي أي لو لم يروى بغير وجه من ذالك لكان ضعيفا أي انه لو قال حسن صحيح لم يقصد به هذا التعريف أو قال حسن غريب فلا يقصد به هذا التعريف ولا كن التعريف الذي ذكره خاص بتعريف الحديث الحسن فقط .
فإذ قال حديث حسن يعني أن أحد رواته لم يتهم بالكذب بل فيه ضعف قليل هو مستور فيه جهالة ولا كن لا يصل إلى درجة الكذب بل في حفظه نقص لا كن ليس أنه يكذب فإن لم يروى من طريق آخر أو لم يوجد له شاهد أو تابع لكان ضعيفا ولا كن لما ورد من طريق آخر تجبر ما فيه من ضعف وزال . وألا يكون شاذا وهو( ألا يخالف الثقة من هو أوثق منه ) والأمر الثالث أن يرد من وجه نحو ذاك فإن وجدت تلك الشروط الثلاث فهو حسن عند أبي عسى محمد بن عيسى الترمذي وهذا الكلام مذكور في كتابه العلل .
ولقد ذكر شيخ الإسلام الإمام ابن كثير في كتابه الباعث الحثيث في اختصار علوم الحديث لما جاء اختصار علوم الحديث لبن الصلاح استغرب هذا الكلام الذي أضيف إلى الإمام الترمذي بعد أن نقله عن ابن الصلاح وأن تعريف الحسن عند الإمام الترمذي هو كذا .... علق عليه الإمام ابن كثير بقوله ( وهذا إن كان قد روي عن الترمذي أنه قاله ففي أي كتاب له قد قاله وأين إسناده عنه وإن كان فهم من اصطلاحه في كتاب الجامع فليس ذالك بصحيح فإنه يقول في كثير من أحاديثه هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه ) ولقد علق على ذالك الإمام العراقي في كتابه التقيد والإيضاح قوله ( وهذا إنكار عجيب فإنه في آخر العلل التي في آخر الجامع وهي داخلة في سماعنا وسماع النكر لذلك وسماع الناس ) صفه 45 في كتاب القيد والإيضاح للعراقي .
التعريف الثاني ذكره الإمام الخطاب المتوفى سنة 388 وهو أول من شرح السنة في كتاب معالم السنن يقول في تعريف الحديث الحسن وهو( ما عرف مخرجه واشتهرت رجاله وعليه مدار أكثر الحديث وهو الذي يقبله أكثر العلماء ويتعامل معه عامة الفقهاء )
فالخطاب عرف الحديث الحسن لذاته والترمذي عرف الحديث الحسن لغيره
يقول ابن حجر في شرح نخبة الفكر ( والخبر الآحاد بنقل عدل تام الضبط متصل الإسناد غير معلل ولا شاذ هو الصحيح لذاته يقول فإن خف الضبط فالحسن لذاته وبكثرة طرقه يصحح )يقول ابن الجزري في كتابه الموضوعات والعلل 597ـ هـ ( الحسن ما فيه ضعف قريب محتمل ) وهذه العبارة شاملة لقسمي الحديث الحسن . وقول الترمذي هذا حديث حسن غريب يقصد به الحسن عند الجمهور أما إذا قال حسن فقط قصد به اصطلاحه الخاص به .
يقول ابن الصلاح :ــ إن هذه التعريفات كلها عليها اعتراضات وليس واحد منها قيد وحد وضبط الحديث الحسن .

مسألة في الحديث الحسن


في حكم الترمذي عن بعض الأحاديث : " هذا حسن صحيح" .

ففي هذا شيء من الإشكال فإذا قلت حسن فإنه ليس بصحيح وإذا قلت صحيح فهو ليس بحسن أما أن تجمع بينهما في لفظ واحد ففيه إشكال والجواب عن هذا بأن أئمتنا ذكروا أربعة أجوبة على هذا منها جوابان معتبران وجوابان آخران لا اعتبار بهما أولهما ما ذكره ابن حجر في النخبة بقوله ( فإن جمعا ـ الوصفان الصحيح والحسن ـ فالتردد للناقل حيث التفرد وإلا فباعتبار إسنادين ) هذان جوابان معتبران بمعنى أنه إذا كان الإسناد واحدا تردد الحافظ في الحكم على رجال الحديث هل بلغوا أعلى الرتب فحديثهم صحيح أو خف الضبط في بعضهم فحديثهم حسن فاحتاط في العبارة أي لو قال حسن لنزل بهم وإن قال صحيح رفعهم فليحتاط قال حسن صحيح بمعنى حسن أو صحيح أي أنه متردد هذا إن كان له إسناد واحد وهذا معنى قوله ( فتردد للناقل حيث التفرد أي لا يوجد للحديث إلا إسناد واحد وهذا يفهم من قول الإمام هذا حسن أو صحيح فكلاهما حجة فاعملوا به فهو ليس ضعيفا فكونوا على بينة من ذلك وعليه ما يقال فيه صحيح فهو أعلى مما يقال فيه حسن صحيح لأنه هناك قد جُزم بالصحة وهنا مُتَرَدَّد فيه هذا إن كان للحديث إسناد واحد.
أما إن كان للحديث أسانيد متعددة فرأى الحافظ أن هناك بعض الأسانيد رجالها رجال الصحيح وبعضها خف ضبطا الرواة فيها فتأخذ وصف الحسن فهو يخبرنا أن هذا الحديث له أسانيد بعضها صحيح وبعضها حسن فقال لنا حسن صحيح أي حسن وصحيح وعليه فما يقال فيه حسن صحيح أعلى مما يقال فيه صحيح لأن هناك إسنادا صحيحا وإسنادا حسنا بعكس الأول لأن هناك حسنا أو صحيحا فللحديث إسناد واحد وهنا حسن وصحيح فللحديث أكثر من طريق منها حسن ومنها صحيح فاختلف الأمر وهذا معنى قوله ( فباعتبار إسنادين ) هذان القولان معتبران وقررهما الحافظ ابن حجر في نزهة النظر في شرح نخبة الفكر
أما الجواب الثاني فذكره ابن الصلاح فقال ( لا يستبعد أن مراد الإمام بالحسن الحسن اللغوي وليس مراده منه الاصطلاح الشرعي أي المراد منه الحسن اللغوي لا الحسن الاصطلاحي بمعنى أن الحديث صحيح اصطلاحا حسن لغة، وقد رد عليه ابن دقيق العيد في كتابه الاقتراح في علم الحديث والاصطلاح قال:( لو كان الأمر كما قال ابن الصلاح لصح أن نقول عن الحديث الضعيف حسن إذا كانت ألفاظه قوية المعنى بل يمكن أن نقول عن الموضوع حسن إذا كانت ألفاظه مقبولة في الشرع واللغة وهذا لم يقصده أهل علم الاصطلاح لأنهم يتكلمون في اصطلاح دقيق في علم الحديث فما الذي أخذهم إلى الاصطلاحات اللغوية .
الجواب الرابع : ذكره ابن دقيق العيد بعد أن رد على ابن الصلاح وقال إنه بعيد قال الحديث عندما يقال عنه حسن صحيح فهو صحيح وأطلق عليه الحسن لاشتراك الحسن في تعريف الصحيح لأن الرجال إذا أحرزوا الصفة العليا يكونون قد أحرزوا الصفة الدنيا من باب أولى وقال كل صحيح حسن وعلى هذا يجوز أن نقول عن الحديث الصحيح حسن صحيح أما الحديث الحسن فلا يجوز أن نقول عنه حسن صحيح وفي هذا إشكال لأنه إذا ذكر الصفة العليا فما الداعي لذكر الصفة الدنيا وقول ابن حجر فهو المعول عليه والله أعلم.
وهذا ملحق أضفته من كتاب شرح النخبة في
قول الإمام الترمذي هذا حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه
فالجواب أن الترمذي لم يعرف الحسن مطلاقا وإنما عرف نوعا خاصا منه وقع في كتابه وهو ما يقول فيه : (حسن) من غير صفة أخرى ، وذلك أنه يقول في بعض الأحاديث : حسن ، وفي بعضها : صحيح ، وفي بعضها : غريب ، وفي بعضها : حسن صحيح ، وفي بعضها حسن غريب ، وفي بعضها صحيح غريب ، وفي بعضها حسن صحيح غريب ، وتعريفه إنما وقع على الأول فقط ، وعبارته ترشد إلى ذلك، حيث قال في آخر كتابه: " وما قلنا في كتابنا: حديث حسن فإنما أردنا به حُسن إسناده عندنا : كل حديث يُروى لا يكون راويه متهما بكذب ويروى من غير وجه نحو ذلك ولا يكون شاذا فهو عندنا حديث حسن " فعُرف بهذا أنه نما عرّف الذي يقول فيه : حسن فقط، أما ما يقول فيه حسن صحيح ، أو حسن غريب ، أو حسن صحيح غريب ، فلم بُعرّج على تعريفه كما لم يُعرّج على تعريف ما يقول فيه :" صحيح " فقط أو " غريب " فقط ، وكأنه ترك ذلك استغناء لشهرته عند أهل الفن ، واقتصر على تعريف ما يقول فيه في كتابه : حسن فقط إما لغموضه ، وإما لأنه اصطلاح جديد ، ولذلك قيده بقوله : " عندنا " ولم ينسبه إلى أهل الحديث كما فعل الخطابي ، وبهذا التقرير يندفع كثير من الإيرادات التي طال البحث فيها ولم يُسفر وجه توجيهها ، فلله الحمد على ما ألهم وعلم .