مشاهدة النسخة كاملة : السعد التفتازاني شيخ الأشاعرة والماتريدية يقرر تواتر أدلة العلو في شريعتنا والكتب الس


جبل
05-26-2010, 05:13 PM
الحمدلله كثيرا والصلاة والسلام على من بعثه بالنور والفرقان بشيرا ونذيرا، أحمده سبحانه على نعمه المتوالية وآلائه الظاهرة والباطنة، أحمده أن هداني للإسلام وأنعم عليَّ بالسنة وجنَّبني طرق المتكلمين وبدع المحدَثين، تفضلا منه وإنعاما فكم قد سقط في الطريق من أهل العقول والألباب؟ فوالله لولا هداية الله لكنَّا في غيابات الضلال فلم تعصمنا علومنا وعقولنا بل لله المنة الكاملة التامة ومنا التقصير والعجز والفقر، سبحانه ربي لا إله إلا هو عال على عرشه له الأسماء الحسنى والصفات العلى. أما بعد:
فقد كان من نفسي العزم على الالتزام بكتابة مقال أو مشاركة مطولة كلما دخلت منتدانا الحبيب -بين الحين والآخر - تنشيطا لنفسي على نشر الخير وعونا لإخواني وتعويضا عن انشغالي عنه في كثير من الأوقات مؤخرًا، فلم يتيسر ذلك وغلبتني العوارض، فصالحتها على المشاركة بما تيسر في كل مرة ولو بفائدة وإن طال الغياب.
والفائدة التي أذكرها هنا كلاما لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني -رحمه الله وغفر له- وهو من أئمة أهل الأصول أو (الأصلين) - على اصطلاحهم- قال الشوكاني في ترجمته: الإمام الكبير صاحب التصانيف المشهورة المعروف بسعد الدين ولد بتفتازان في صفر سنة 722 ...وفاق في النحو والصرف والمنطق والمعانى والبيان والأصول والتفسير والكلام وكثير من العلوم وطار صيته واشتهر ذكره ورحل إليه الطلبة وشرع في التصنيف وهو في ست عشرة سنة...وتوفى يوم الأثنين الثانى والعشرين من شهر محرم سنة 792..-(قلت: وذُكر أن سببه موته مناظرة وقعت له مع الشريف الجرجاني) - قال الشيخ منصور الكازرونى والحق في جانب الشريف وجرت بينهما ايضا المناظرة المشهورة في قوله تعالى ( ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ) ويقال بأنه حكم بأن الحق في ذلك مع الشريف فاغتم صاحب الترجمة ومات كمدا والله أعلم ا.هـ ملخصًا من كلام الشوكاني -رحمه الله-. (البدر الطالع)
قلت: وهذه القصة تدل على علو همة التفتازاني وإلا فالنفوس الدنية لا تتحرك ولو وطئت بالنعال، وانظر لحال كثير من أهل عصرنا مع الغرب الكافر فأولئك يحاربونهم وهؤلاء يتشبهون بهم فإنا لله وإنا إليه راجعون.
فائدة: تعجب الشوكاني -رحمه الله- من ابن حجر حيث لم يترجم للتفتازاني فقال: وبالجملة فصاحب الترجمة متفرد بعلومه في القرن الثامن لم يكن له في أهله نظير فيها وله من الحظ والشهرة والصيت في أهل عصره فمن بعدهم مالا يلحق به غيره ومصنفاته قد طارت في حياته إلى جميع البلدان وتنافس الناس في تحصيلها ومع هذا فلم يذكره ابن حجر في الدرر الكامنة في أهل المائة الثامنة مع أنه يتعرض لذكره في بعض تراجم شيوخه او تلامذته وتارة يذكر شيئا من مصنفاته عند ترجمة من درس فيها أو طلبها فإهمال ترجمته من العجائب المفصحة عن نقص البشر ا.هـ
قلت: وليس كذلك بل قد ترجم له ابن حجر -رحمه الله- فقال: العلامة الكبير صاحب شرحي التلخيص وشرح العقائد..وله غير ذلك من التصانيف في أنواع العلوم الذي تنافس الأئمة في تحصيلها والاعتناء بها وكان قد انتهت إليه معرفة علوم البلاغة والمعقول بالمشرق بل بسائر الأمصار لم يكن له نظير في معرفة هذه العلوم مات في صفر سنة 792 ولم يخلف بعده مثل[ه] ا.هــ
فحُق لنا أن نقول: "كم ترك الأول للآخر"، وسبب اللبس فيما أظن أن النسخة التي اعتمدها الشوكاني من "الدر الكامنة .." هي نفس النسخة التي اطلع عليها ابن العماد فقد أشار الأخير في ترجمة التفتازاني من كتابه "شذرات الذهب.." أنَّ الحافظ أورده باسم "محمود بن عمر بن عبدالله.." فلعل الشوكاني بحث عنه تحت من اسمه "مسعود" فلم يجده فالحمدلله رب العالمين.


موضوع الفائدة:
تتعلق الفائدة بمسألة العلو حيث أقرَّ التفتازاني -وهو من هو عند القوم فهو شارح كتاب "المقاصد في علم الكلام" و شرح "العقائد النسفية" وغيرها من الكتب المعتمدة التي عليها المعوَّل عند الأشاعرة والماتريدية- أقرَّ بأن أدلة العلو لا حصر لها أي: متواترة، وأن الكتب السماوية دلت عليها، وأن الفطرة دلت عليها كذلك، ويكفي هذا دليلا على دحض كل أقوال القوم فكيف يُكَفَّر أو يُتهم بالتشبيه من اتَّبع ظاهر النصوص المتاوترة وما اتفقت عليه الكتب السماوية، والفطر السليمة التي خلقها الله سبحانه، وسيأتي التعليق على تأويله بعد ذلك وإنا لله وإنا إليه راجعون.

نص الفائدة:
قال رحمه الله في شرح المقاصد:
فإن قي:ل إذا كان الدين الحق نفي الحيز والجهة، فما بال الكتب السماوية والأحاديث النبوية مشعرة في مواضع لا تحصى بثبوت ذلك، من غير أن يقع في موضع منها تصريح بنفي ذلك وتحقيق؟، كما كررت الدلالة على وجود الصانع ووحدته وعلمه وقدرته وحقيقة المعاد وحشر الأجساد في عدة مواضع، وأكدت غاية التأكيد مع أن هذا أيضا حقيق بغاية التأكيد والتحقيق، لما تقرر في فطرة العقلاء، مع اختلاف الأديان والآراء من التوجه إلى العلو عند الدعاء ورفع الأيدي إلى السماء/
أجيب: بأنه لما كان التنزيه عن الجهة مما تقصر عنه عقول العامة، حتى تكاد تجزم بنفي ما ليس في الجهة كان الأنسب في خطاباتهم والأقرب إلى صلاحهم والأليق بدعوتهم إلى الحق ما يكون ظاهرا في التشبيه، وكون الصانع في أشرف الجهات، مع تنبيهات دقيقة على التنزيه المطلق عما هو من سمات الحدوث، وتوجه العقلاء إلى السماء ليس من جهة اعتقادهم أنه في السماء بل من جهة أن السماء قبلة الدعاء ا.هــ

أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، أعوذ بالله ربي من الزيغ والردى، أبعد هذا التقرير يحرف هذه الصفة الجليلة؟ لا! بل يزيد في الانحراف فيدعي أن الله أضلهم عن الاعتقاد الصحيح عمدًا وقصدًا لأنَّ هذا بزعمهم هو الأليق بهم والأصلح لهم!!! آآه!! أليس هذا هو عين قول الفلاسفة كابن رشد الحفيد؟ وهل دخل الفلاسفة إلا من هذا الباب فقالوا: وكذلك النصوص المتاوترة الأخرى في إثبات المعاد والبعث ..الخ إنما هي إشارات وخيالات وحقيقتها الكذب من أجل إصلاح الناس وتقويم سبل حياتهم.
فاحفظ أيها السني هذا النقل واجعله سلاحا تنحر به حجج القوم. فأيُّ تشبيه في إثبات ما تواترت عليه النصوص، والكتب السماوية، والفطر السليمة؟!!، أكان الله عاجزًا عن أن يفطرهم على العقيدة الحقة؟! بدلا من أن يفطرهم على التشبيه والتجسيم ثم تأتي الرسل بالتشبيه خوفا من مخالفة فطرهم الممسوخة ابتداءً!!! ولا أدري! كيف يصح هذا في عقله؟! وقد قال نبيه عليه الصلاة والسلام في الحديث القدسي "وَإِنِّى خَلَقْتُ عِبَادِى حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِى مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا" أخرجه مسلم فالحمدلله على هدايته وأسأل الله لي ولكم الهداية وأسأل الله أن يغفر لي ولكم وللتفتازاني، وقد قدَّمت ما وُصف به الرجل من الذكاء والإحاطة بالعلوم فكن أيها المسلم السني مفتقرا إلى الله في جميع حالاتك، متوجهًا إليه، معترفًا بقصورك وتقصيرك، فالهداية بيد الله.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
كتبه: أبوصهيب عاصم بن علي الأغبري.
تنبيه: قد تعرَّض العلامة المعلمي -رحمه الله- في التنكيل لهذه المقالة وعلق على بعض عباراتها، وقد أُفرد القسم العقدي من التنكيل في كتاب اسمه "القائد إلى تصحيح العقائد" أو نحوا من هذا الاسم وطبعته قديمة ولم أرَه في الأسواق.