مشاهدة النسخة كاملة : أساس العقيدة وأصلها


جبل
07-22-2010, 10:30 AM
الأصل الأول

الإيمان بالله عز وجل

وهو أساس العقيدة وأصلها ، وهو يعني الاعتقاد الجازم بأن الله رب كل شيء ومليكه ، وأنه الخالق وحده ، المدبر للكون كله ، وأنه هو الذي يستحق العبادة وحده لا شريك له ، وأن كل معبود سواه فهو باطل وعبادته باطلة ، قال تعالى : ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ، وأنه سبحانه متصف بصفات الكمال ونعوت الجلال ، منزه عن كل نقص وعيب ، وهذا هو التوحيد بأنواعه الثلاثة : توحيد الربوبية ، وتوحيد الألوهية ، وتوحيد الأسماء والصفات .

أولا : توحيد الربوبية
فأما توحيد الربوبية ؛ فإنه الإقرار بأن الله وحده هو الخالق للعالم ، وهو المدبر ، المحيي ، المميت ، وهو الرزاق ، ذو القوة المتين .

والإقرار بهذا النوع مركوز في الفطر ، لا يكاد ينازع فيه أحد من الأمم ؛ كما قال تعالى : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ، وقال تعالى : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ . وقال تعالى : قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ

وهذا في القرآن كثير ؛ يذكر الله عن المشركين أنهم يعترفون لله بالربوبية والانفراد بالخلق والرزق والإحياء والإماتة .

ولم ينكر توحيد الربوبية ويجحد الرب إلا شواذ من المجموعة البشرية ، تظاهروا بإنكار الرب مع اعترافهم به في باطن أنفسهم وقرارة قلوبهم ، وإنكارهم له إنما هو من باب المكابرة ؛ كما ذكر الله عن فرعون أنه قال : مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ، وقد خاطبه موسى عليه السلام بقوله : لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ ، وقال تعالى : وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا .

وهم لم يستندوا في جحودهم إلى حجة ، وإنما ذلك مكابرة منهم ؛ كما قال تعالى : وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ ؛ فهم لم ينكروا عن علم دلهم على إنكاره ولا سمع ولا عقل ولا فطرة .

ولما كان هذا الكون وما يجري فيه من الحوادث شاهدا على وحدانية الله وربوبيته ؛ إذ المخلوق لا بد له من خالق ، والحوادث لا بد لها من محدث ؛ كما قال تعالى : أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ .

وقال الشاعر : وفـي كـل شـيء له آيـة تـــدل عـلـى أنـه واحـــد

لما كان لا بد من جواب على هذه الحقيقة ، اضطرب هؤلاء المنكرون لوجود الخالق في أجوبتهم : - فتارة يقولون : هذا العالم وجد نتيجة للطبيعة التي هي عبارة عن ذات الأشياء من النبات والحيوان والجمادات ؛ فهذه الكائنات عندهم هي الطبيعة ، وهي التي أوجدت نفسها !!

- أو يقولون : هي عبارة عن صفات الأشياء وخصائصها من حرارة وبرودة ورطوبة ويبوسة وملاسة وخشونة ، وهذه القابليات من حركة وسكون ونمو وتزاوج وتوالد ؛ هذه الصفات وهذه القابليات هي الطبيعة بزعمهم ، وهي التي أوجدت الأشياء !!

وهذا قول باطل على كلا الاعتبارين ؛ لأن الطبيعة بالاعتبار الأول -على حد قولهم- تكون خالقة ومخلوقة ؛ فالأرض خلقت الأرض ، والسماء خلقت السماء ... وهكذا ، وهذا مستحيل ، وإذا كان صدور الخلق عن الطبيعة بهذا الاعتبار مستحيلا ؛ فاستحالته بالاعتبار الثاني أشد استحالة ؛ لأنه إذا عجزت ذات الشيء عن خلقه ؛ فعجز صفته من باب أولى ؛ لأن وجود الصفة مرتبط بالموصوف الذي تقوم به ، فكيف تخلقه وهي مفتقرة إليه ؟ ! وإذ ثبت بالبرهان حدوث الموصوف ؛ لزم حدوث الصفة . وأيضا ؛ فالطبيعة لا شعور لها ؛ فهي آلة محضة ؛ فكيف تصدر عنها الأفعال العظيمة التي هي في غاية الإبداع والإتقان ، وفي نهاية الحكمة ، وفي غاية الارتباط ؟ !

- ومن هؤلاء الملاحدة من يقول : إن هذه الكائنات تنشأ عن طريق المصادفة ، بمعنى أن تجميع الذرات والجزئيات عن طريق المصادفة يؤدي إلى ظهور الحياة بلا تدبير من خالق مدبر ولا حكمة .

وهذا قول باطل ، ترده العقول والفطر ؛ فإنك إذا نظرت إلى هذا الكون المنظم بأفلاكه وأرضه وسمائه وسير المخلوقات فيه بهذه الدقة والتنظيم العجيب ؛ تبين لك أنه لا يمكن أن يصدر إلا عن خالق حكيم .

قال ابن القيم : " فسل المعطل الجاحد : ماذا تقول في دولاب دائر على نهر ، وقد أحكمت آلاته ، وأحكم تركيبه ، وقدرت أدواته أحسن تقدير وأبلغه ، بحيث لا يرى الناظر فيه خللا في مادته ولا في صورته ، وقد جعل على حديقة عظيمة ، فيها من كل أنواع الثمار والزروع ، يسقيها حاجتها ، وفي تلك الحديقة من يلم شعثها ويحسن مراعاتها وتعهدها والقيام بجميع مصالحها ، فلا يختل منها شيء ، ثم يقسم قيمتها عند الجذاذ على أحسن المخارج بحسب حاجتهم وضروراتهم ، فيقسم لكل صنف منهم ما يليق به ، ويقسمه هكذا على الدوام ، أترى هذا اتفاقا بلا صانع ولا مختار ولا مدبر ، بل اتفق وجود ذلك الدولاب والحديقة وكل ذلك اتفاقا من غير فاعل ولا قيم ولا مدبر ؟ ! أفترى ما يقول لك عقلك في ذلك لو كان ؟ ! وما الذي يفتيك به ؟ ! وما الذي يرشدك إليه ؟ ! ولكن من حكمة العزيز الحكيم أن خلق قلوبا عميا لا بصائر لها ، فلا ترى هذه الآيات الباهرة إلا رؤية الحيوانات البهيمية ، كما خلق أعينا لا أبصار لها " انتهى كلامه رحمه الله .

ثانيا : توحيد الألوهية
توحيد الألوهية هو إفراد الله تعالى بجميع أنواع العبادة . فـ ( الألوهية ) معناها العبادة ، و ( الإله ) معناه المعبود ، ولهذا يسمى هذا النوع من التوحيد بـ ( توحيد العبادة ) .

و ( العبادة ) في اللغة : الذل ، يقال : طريق معبد : إذا كان مذللا قد وطأته الأقدام .

وأما معنى العبادة شرعا ؛ فقد اختلفت عبارات العلماء في ذلك مع اتفاقهم على المعنى :

فعرفها طائفة منهم بأنها ما أمر به شرعا من غير اطراد عرفي ولا اقتضاء عقلي .

وعرفها بعضهم : بأنها كمال الحب مع كمال الخضوع .

وعرفها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : بأنها اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة .

وهذا التعريف أدق وأشمل ؛ فالدين كله داخل في العبادة ، ومن عرفها بالحب مع الخضوع ؛ فلأن الحب التام مع الذل التام يتضمنان طاعة المحبوب والانقياد له ؛ فالعبد هو الذي ذلله الحب والخضوع لمحبوبه ، فبحسب محبة العبد لربه وذله له تكون طاعته ؛ فمحبة العبد لربه وذله له يتضمنان عبادته له وحده لا شريك له .

فالعبادة المأمور بها تتضمن معنى الذل ومعنى الحب ، وهي تتضمن ثلاثة أركان هي : المحبة والرجاء والخوف ، ولا بد من اجتماعها ؛ فمن تعلق بواحد منها فقط ؛ لم يكن عابدا لله تمام العبادة ؛ فعبادة الله بالحب فقط هي طريقة الصوفية ، وعبادته بالرجاء وحده طريقة المرجئة ، وعبادته بالخوف فقط طريقة الخوارج .

والمحبة المنفردة عن الخضوع لا تكون عبادة ؛ فمن أحب شيئا ولم يخضع له ؛ لم يكن عابدا ؛ كما يحب الإنسان ولده وصديقه ، كما أن الخضوع المنفرد عن المحبة لا يكون عبادة ؛ كمن يخضع لسلطان أو ظالم اتقاء لشره ، ولهذا لا يكفي أحدهما عن الآخر في عبادة الله تعالى ، بل يجب أن يكون الله أحب إلى العبد من كل شيء ، وأن يكون الله عنده أعظم من كل شيء .

والعبادة هي الغاية المحبوبة لله والمرضية له ، وهي التي خلق الخلق من أجلها ؛ كما قال تعالى : وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ، وبها أرسل جميع الرسل ؛ كما قال تعالى : وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ .

والعبادة لها أنواع كثيرة ، فالصلاة ، والزكاة ، والصيام ، والحج ، وصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وبر الوالدين ، وصلة الأرحام ، والوفاء بالعهود ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، والجهاد للكفار والمنافقين ، والإحسان إلى الحيوان والأيتام والمساكين وابن السبيل والمملوك من الآدميين والبهائم ، والدعاء ، والذكر ، والقرآن ؛ كل ذلك من العبادة ، وكذلك حب الله وحب رسوله ، وخشية الله والإنابة إليه ؛ كل ذلك من العبادة ، وكذلك الذبح ، والنذر، والاستعاذة، والاستعانة ، والاستغاثة .

فيجب صرف العبادة بجميع أنواعها لله وحده لا شريك له ؛ فمن صرف منها شيئا لغير الله ؛ كمن دعا غير الله ، أو ذبح أو نذر لغير الله ، أو استعان أو استغاث بميت أو غائب أو بحي حاضر فيما لا يقدر عليه إلا الله ؛ فقد أشرك الشرك الأكبر ، وأذنب الذنب الذي لا يغفر إلا بالتوبة ، سواء صرف هذا النوع من العبادة لصنم أو لشجر أو لحجر أو لنبي من الأنبياء أو ولي من الأولياء حي أو ميت ؛ كما يفعل اليوم عند الأضرحة المبنية على القبور ؛ فإن الله لا يرضى أن يشرك معه في عبادته أحد ؛ لا ملك مقرب ، ولا نبي مرسل ، ولا ولي ولا غيرهم ؛ قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ، وقال تعالى : فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ، وقال تعالى : وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا .

ومع الأسف الشديد ؛ فقد اتخذت القبور اليوم في بعض البلاد أوثانا تعبد من دون الله ممن يدعون الإسلام ، وقد يدعو أحدهم غير الله في أي مكان ، ولو لم يكن عند قبر ؛ كمن يقول : يا رسول الله ! عند قيامه أو مفاجأته بشيء غريب ، أو يقول : المدد يا رسول الله ! ( أو : يا فلان ) ! وإذا نهوا عن ذلك ؛ قالوا : نحن نعلم أن هؤلاء ليس لهم من الأمر شيء ، ولكن هؤلاء أناس صالحون ، لهم جاه عند الله ، ونحن نطلب بجاههم وشفاعتهم ، ونسي هؤلاء أو تناسوا - وهم يقرءون القرآن- أن هذا بعينه قول المشركين ؛ كما ذكره الله في القرآن في قوله تعالى : وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ، وقوله تعالى : أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ ، فسماهم كفارا كذبة ، وهم يعتقدون أن هؤلاء الأولياء مجرد وسائط بينهم وبين الله في قضاء حوائجهم ، وهذا ما يقوله عباد القبور اليوم تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ .

فالواجب على علماء الإسلام أن ينكروا هذا الشرك الشنيع ويبينوه للناس ، والواجب على حكام المسلمين هدم هذه الأوثان وتطهير المساجد منها .

وقد أنكر كثير من الأئمة المصلحين هذا الشرك ونهوا عنه ، وحذروا وأنذروا ، ومن هؤلاء : شيخ الإسلام ابن تيمية ، وتلميذه ابن القيم ، والشيخ محمد بن عبد الوهاب ، والشيخ محمد بن إسماعيل الصنعاني ، والشيخ محمد بن علي الشوكاني ... وكثير من الأئمة قديما وحديثا ، وهذه مؤلفاتهم بين أيدينا .

وفي ذلك يقول الإمام الشوكاني في " نيل الأوطار " : " وكم سرى من تشييد أبنية القبور وتحسينها من مفاسد يبكي لها الإسلام ، منها اعتقاد الجهلة كاعتقاد الكفار للأصنام وأعظم من ذلك ، فظنوا أنها قادرة على جلب النفع ودفع الضرر ، فجعلوها مقصدا لطلب قضاء الحوائج ، وملجأ لنجاح المطالب ، وسألوا منها ما يسأله العباد من ربهم ، وشدوا إليها الرحال ، وتمسحوا بها واستغاثوا ، وبالجملة : إنهم لم يدعوا شيئا مما كانت الجاهلية تفعله بالأصنام إلا فعلوه ؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون .

ومع هذا المنكر الشنيع والكفر الفظيع لا نجد من يغضب لله ويغار حمية للدين الحنيف ؛ لا عالما ولا متعلما ، ولا أميرا ولا وزيرا ، ولا ملكا ! !

ولقد توارد إلينا من الأخبار ما لا يشك معه أن كثيرا من هؤلاء القبوريين أو أكثرهم إذا توجهت عليه يمين من جهة خصمه ؛ حلف بالله فاجرا ، وإذا قيل له بعد ذلك : احلف بشيخك ومعتقدك الولي الفلاني ؛ تلعثم، وتلكأ، وأبى، واعترف بالحق ! ! وهذا من أبين الأدلة الدالة على أن شركهم قد بلغ فوق شرك من قال : إنه تعالى ثاني اثنين ، أو ثالث ثلاثة !

فيا علماء الدين ! ويا ملوك المسلمين ! أي رُزْء للإسلام أشد من الكفر ؟ ! وأي بلاء لهذا الدين أضر عليه من عبادة غير الله ؟ ! وأي مصيبة يصاب بها المسلمون تعدل هذه المصيبة ؟ ! وأي منكر يجب إنكاره إن لم يكن إنكار هذا الشرك البين واجبا ؟ ! لقد أسمعـت لو ناديت حيـا ولكـن لا حيـاة لمـن تنـادي
ولـو نـارا نفخـت بهـا أضاءت ولكـن أنـت تنفـخ في رمـاد

انتهى كلام الشوكاني رحمه الله ، وقد زاد البلاء بعده وصار أشد مما وصف ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

علاقة توحيد الإلهية بتوحيد الربوبية والعكس
وعلاقة أحد النوعين بالآخر أن توحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الإلهية ، بمعنى أن الإقرار بتوحيد الربوبية يوجب الإقرار بتوحيد الإلهية والقيام به .

فمن عرف أن الله ربه وخالقه ومدبر أموره ؛ وجب عليه أن يعبده وحده لا شريك له .

وتوحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية ؛ بمعنى أن توحيد الربوبية يدخل ضمن توحيد الألوهية ؛ فمن عبد الله وحده ولم يشرك به شيئا ؛ فلا بد أن يكون قد اعتقد أنه هو ربه وخالقه ؛ كما قال إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام : أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ .

والربوبية والألوهية تارة يذكران معا فيفترقان في المعنى ، ويكون أحدهما قسيما للآخر ؛ كما في قوله تعالى : قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ ؛ فيكون معنى الرب : هو المالك المتصرف في الخلق ، ويكون معنى الإله : أنه المعبود بحق المستحق للعبادة وحده . وتارة يذكر أحدهما مفردا عن الآخر ، فيجتمعان في المعنى ؛ كما في قول الملكين للميت في القبر : من ربك ؟ ومعناه : من إلهك وخالقك ؟ وكما في قوله تعالى : الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ، وقوله تعالى : قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا ، وقوله : إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ؛ فالربوبية في هذه الآيات هي الإلهية .

والذي دعت إليه الرسل من النوعين هو توحيد الألوهية ؛ لأن توحيد الربوبية يقر به جمهور الأمم ، ولم ينكره إلا شواذ من الخليقة ؛ أنكروه في الظاهر فقط ، والإقرار به وحده لا يكفي ؛ فقد أقر به إبليس : قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي ، وأقر به المشركون الذين بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ كما دلت على ذلك الآيات البينات ؛ كما قال تعالى : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ؛ فمن أقر بتوحيد الربوبية فقط ؛ لم يكن مسلما ، ولم يحرم دمه ولا ماله ، حتى يقر بتوحيد الألوهية ؛ فلا يعبد إلا الله .

وبهذا يتبين بطلان ما يزعمه علماء الكلام والصوفية أن التوحيد المطلوب من العباد هو الإقرار بأن الله هو الخالق المدبر ، ومن أقر بذلك ؛ صار عندهم مسلما ، ولهذا يعرفون التوحيد في الكتب التي ألفوها في العقائد بما ينطبق على توحيد الربوبية فقط ؛ حيث يقولون مثلا : التوحيد هو الإقرار بوجود الله وأنه الخالق الرازق ... إلخ ، ثم يوردون أدلة توحيد الربوبية .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " فإن عامة المتكلمين الذين يقررون التوحيد في كتب الكلام والنظر غايتهم أن يجعلوا التوحيد ثلاثة أنواع ، فيقولون : هو واحد في ذاته لا قسيم له ، وواحد في صفاته لا شبيه له ، وواحد في أفعاله لا شريك له .

وأشهر الأنواع الثلاثة عندهم هو الثالث ، وهو توحيد الأفعال ، وهو أن خالق العالم واحد ، وهم يحتجون على ذلك بما يذكرونه من دلالة التمانع وغيرها، ويظنون أن هذا هو التوحيد المطلوب ، وأن هذا هو معنى قولنا : لا إله إلا الله ، حتى يجعلوا معنى الألوهية القدرة على الاختراع ! ومعلوم أن المشركين من العرب الذين بعث إليهم محمد صلى الله عليه وسلم أولا لم يكونوا يخالفونه في هذا ، بل كانوا يقرون بأن الله خالق كل شيء ، حتى إنهم كانوا يقرون بالقدر أيضا ، وهم مع هذا مشركون ... " .

هذا كلام الشيخ رحمه الله ، وهو واضح في الرد على من اعتقد أن التوحيد المطلوب من الخلق هو الإقرار بتوحيد الربوبية.

ويؤيد هذا قوله تعالى : وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ؛ فالرسل لم يقولوا لأممهم : أقروا أن الله هو الخالق ؛ لأنهم مقرون بهذا ، وإنما قالوا لهم : اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية أيضا : " التوحيد الذي جاءت به الرسل إنما يتضمن إثبات الإلهية لله وحده ؛ بأن يشهد أن لا إله إلا الله لا يعبد إلا إياه ... " .

إلى أن قال : " وليس المراد بالتوحيد مجرد توحيد الربوبية ، وهو اعتقاد أن الله وحده خلق العالم ، كما يظن ذلك من يظنه من أهل الكلام والتصوف ، ويظن هؤلاء أنهم إذا أثبتوا ذلك بالدليل ؛ فقد أثبتوا غاية التوحيد ، وأنهم إذا شهدوا هذا وفنوا فيه ؛ فقد فنوا في غاية التوحيد .

فإن الرجل لو أقر بما يستحقه الرب تعالى من الصفات ، ونزهه عن كل ما ينزه عنه ، وأقر بأنه وحده خالق كل شيء ؛ لم يكن موحدا ، حتى يشهد أن لا إله إلا الله وحده ، فيقر بأن الله وحده هو الإله المستحق للعبادة ، ويلتزم بعبادة الله وحده لا شريك له.

والإله هو المألوه المعبود الذي يستحق العبادة ، وليس الإله بمعنى القادر على الاختراع ، فإذا فسر الإله بمعنى القادر على الاختراع ، واعتقد أن هذا المعنى هو أخص وصف الإله ، وجعل إثبات هذا هو الغاية في التوحيد ؛ كما يفعل ذلك من يفعله من متكلمة الصفاتية ، وهو الذي يقولونه عن أبي الحسن وأتباعه ؛ لم يعرفوا حقيقة التوحيد الذي بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم ؛ فإن مشركي العرب كانوا مقرين بأن الله وحده خالق كل شيء ، وكانوا مع هذا مشركين . قال تعالى : وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ؛ قال طائفة من السلف : تسألهم من خلق السماوات والأرض ؟ فيقولون : الله ، وهم مع هذا يعبدون غيره !

قال تعالى : قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ .

فليس كل من أقر بأن الله تعالى رب كل شيء وخالقه يكون عابدا له دون ما سواه ، داعيا له دون ما سواه ، يوالي فيه ويعادي فيه ويطيع رسله .

وعامة المشركين أقروا بأن الله خالق كل شيء ، وأثبتوا الشفعاء الذين يشركونهم به ، وجعلوا له أندادا ... " .

إلى أن قال رحمه الله : " ولهذا كان من أتباع هؤلاء من يسجد للشمس والقمر والكواكب ويدعوها ويصوم وينسك لها ، ويتقرب إليها ، ثم يقول : إن هذا ليس بشرك ، إنما الشرك إذا اعتقدت أنها المدبرة لي ، فإذا جعلتها سببا وواسطة ؛ لم أكن مشركا ، ومن المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أن هذا شرك ... " انتهى كلامه .

قلت : وهذا ما يقوله عُبَّاد القبور اليوم ؛ يتقربون إليها بأنواع العبادة ، ويقولون : هذا ليس بشرك ؛ لأننا لا نعتقد فيها أنها تخلق وتدبر ، وإنما جعلناها وسائط نتوسل بأصحابها .