مشاهدة النسخة كاملة : كيف تقرأ القرآن؟ وكيف تفهم القرآن؟ للشيخ العلامة عبد الكريم الخضير


جبل
08-04-2010, 02:25 AM
لأنه لابد من أن نبدأ بأصل الأصول.
القرآن محفوظ بين الدفتين؛ فلذلك لا تتعب في مسألة ثبوته كالسنة، ولا في جمع طرقه، ولا غير ذلك، تقرأ القرآن على الوجه المأمور به، وهذا يكون بعد الحفظ إن تيسر؛ لأن ما يأتي الحفظ، الحفظ ما يتيسر لكل الناس -مع أن الله جل وعلا قد يسر القرآن- {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} [(17) سورة القمر].
القرآن ميسر -ولله الحمد-، فيكون هذا بعد الحفظ، تنظر في المصحف، وتقرأ فيه على الطريقة المأمور بها بالتدبر والترتيل، وأنت تنظر في كلماته، ما يُشكل عليك من هذه الكلمات تدونه في كراس، الذي يشكل عليك من كلماته تدونه في كراس، وهذا يسميه أهل العلم غريب القرآن، ومن أفضل ما كتب في غريب القرآن: كتاب صغير اسمه: نزهة القلوب لابن عُزيز السجستاني: كتاب مختصر في غريب القرآن أثنى عليه أهل العلم كثيراً من المتقدمين والمتأخرين.
المنهجية في التفسير:
ويكون بيد طالب العلم المبتدئ بعض التفاسير الموثوقة المختصرة جداً؛ لأن كثرة التفاريع تُذهب عليه الوقت دون فائدة؛ لأنه لا يستوعب، ومن أنفع ما يرجع إليه طالب العلم المبتدئ في فهم القرآن، في فهم ألفاظ القرآن؛ لأن الألفاظ لا بد أن تفهم، والمعاني أيضاً لا بد أن تفهم.
في فهم القرآن، في فهم ألفاظه يكون بيد طالب العلم "توفيق الرحمن لدروس القرآن: للشيخ فيصل المبارك" هذا التفسير على اختصاره هو مختصر جداً، مختصر من ابن جرير والبغوي وابن كثير، وهو على منهج السلف -مختصر جداً- فجعل القرآن على ثلاثمائة وخمسين درس بقدر أيام السنة، وأيضاً يستفاد في فهم معاني القرآن من تفسير الشيخ ابن سعدي -رحم الله الجميع-، هذه التفاسير المختصرة تجعل طالب العلم لا يتشتت، فيرجع في غريب القرآن إلى السجستاني، ويرجع -أيضاً- إلى تفسير الشيخ فيصل بن مبارك، ويرجع أيضاً إلى تفسير ابن سعدي في هذه المرحلة، ومع ذلك يفيد من كتب علوم القرآن: يستفيد من كتب علوم القرآن، وكتب علوم القرآن التي ألفت على طريقة المتون تفيد طالب العلم في مرحلته الأولى منها "رسالة للسيوطي" جيدة في هذا الباب، وكذلك منظومة "الزمزمي": هي نضم لهذه الرسالة، والرسالة مأخوذة -مستلة- من كتاب للسيوطي اسمه: "النقاية".
وهذه الكتب موجودة ومتداولة ومشروحة، لها شروح مسجلة ومطبوعة –أيضاً- فيفاد منها، ومع ذلك يحتاج إلى فهم المشكل من معاني القرآن.
ولابن قتيبة كتاب اسمه: "تأويل المشكل"، لكن أنا عندي أن مشكل القرآن يؤجل إلى المرحلة الثانية، يكفي أن نفهم ونعنى بألفاظ القرآن بحيث لا يشكل علينا لفظ، وأما المشكل والاستنباط من القرآن واستخراج درر القرآن وعجائب القرآن هذه مرحلة لاحقة، تلي هذه المرحلة.
فإذا أكمل القرآن على هذه الطريقة -حفظ القرآن- ونظر في ألفاظه ورجع في ما يشكل عليه إلى كتب الغريب، غريب القرآن، وهذه التفاسير المختصرة إذا أنهى القرآن على هذه الطريقة لا شك أنه يخرج بفائدة عظيمة، وقد يطلب العلم سنين عديدة، ثم تسأله عن لفظة غريبة في القرآن فلا يجد الجواب، لكن إذا عنى به من أول الأمر سهل عليه.
بعد هذا إذا تعدى هذه المرحلة يعنى بتفسير الإمام الحافظ ابن كثير- تفسير ابن كثير- ويكون مع ذلك نظر في العلوم الأخرى على ما سيأتي، تفسير ابن كثير، كثير من الناس يقول: قرأت تفسير ابن كثير لما انتهيت ما عندي شيء، نقول إذا كانت الحافظة لا تسعفك فاختصر التفسير، اختصره بنفسك، تفسير ابن كثير له مختصرات موجودة ومتداولة ومتعددة؟ نقول: يا أخي لا تعتمد ولا تعول على المختصرات؛ لأن العلم إنما يثبت بالمعاناة فاختصر تفسير ابن كثير؛ لأنك الآن عندك شيء من الأهلية، عنده أرضية -كما يقولون-، فإذا اختصرت تفسير ابن كثير وعرضته على من تثق بعلمه وسدد لك هذا المختصر بعد الرجوع إلى أصله، لا شك أنك إذا انتهيت عندك رصيد كبير مما ذكره الحافظ ابن كثير -رحمه الله- من الأحاديث والآثار والتوجيهات للأقوال والاستنباط والفقه.
إذا ارتفعت درجة وأردت أن تنظر وتجمع بين التفسير بالأثر الذي عليه المعول والتفسير بالرأي -كتب التفسير التي تعنى بالصناعة اللفظية- فتجمع بين تفسير البغوي بعد ابن كثير أو الطبري مع تفسير أبي السعود لعنايته بالمباحث البلاغية، وتفسير أبي حيان لعنايته بالمباحث النحوية والصرفية، وغيرهما من التفاسير.
لكن قد يقول قائل: العمر لا يستوعب إذا كان هذا فن واحد ونحتاج إلى هذه الكتب؟ نقول: نعم، تحتاج إلى هذه الكتب، وبعض طلاب العلم قد تتقدم به السن ويتسلم المناصب، ويسود على غيره ويتصدر لتعليم الناس وإرشاد الناس ووعظهم وتوجيههم ولو تسأله هل قرأت تفسيراً كاملاً؟ يقول لك: ما قرأت تفسيراً كاملاً.
فإذا اختصر تفسير ابن كثير وانتهى منه ثم اِرتقى إلى البغوي والطبري ثم نظر في كتب التفاسير الأخرى المتنوعة الفنون ممن يعنى بالعلوم الأخرى المعينة على فهم القرآن كفروع علوم اللغة من نحو وصرف ومعاني وبيان وبديع وإعجاز وغير ذلك.
وأيضاً: ينظر في كتب أحكام القرآن، كتب أحكام القرآن موجودة -مع الأسف أنها موجودة على المذاهب عدا المذهب الحنبلي- الآن المتداول بين الناس، فتجد أحكام القرآن لابن العربي على مذهب مالك، إلكيا الطبري الراسي على مذهب الشافعي، الجصاص على مذهب أبي حنيفة.
لا مانع أن يتخذ على طالب العلم آلية تعينه على فهم هذه الكتب فينظر في آيات الأحكام ويراجع لها هذا الكتب، ويثبت المذاهب الثلاثة من هذه الكتب، ثم بعد ذلك يأتي بالمذهب الحنبلي من كتب الفقه الحنبلي فيسدد هذا النقص.
وإذا انتهى من هذه الكتب الثلاثة، المسألة ما هي بمسألة سواليف أو مسألة استرخاء، يقول: والله أنا عندي روحات وجيَّات وأسفار ورحلات وهو بيقرأ هذه الكتب، ما يمكن، فلا بد أن يقتطع من عمره سنين حتى يثبت العلم في قلبه، وإلا لو كان العلم بهذه السهولة كان كل الناس علماء؛ لأننا نرى رفعة العلماء في الدنيا فضلاً عن الآخرة، كان كل الناس علماء، وفي أسواق المسلمين من يفوق في الفهم والحفظ والذكاء كثير ممن ينتسب إلى العلم، كان هؤلاء علماء، لكن دون تحصيله هذا التعب الشديد، فنحتاج إلى أن نعتكف لقراءة هذه الكتب، فإذا نظرنا في هذه الكتب على هذه الطريقة وجمعنا بين أقوال أهل العلم، مذهب أبي حنيقة نأخذه من الجصاص، مذهب مالك نأخذه من ابن العربي، مذهب الشافعي نأخذه من إلكيا الطبري، والمذهب الحنبلي نأخذه من المغني إيش المانع؟ ما الذي يمنع؟ نراجع هذه المسائل في المغني ونضيف حقل رابع للمذهب الحنبلي، إذا انتهيت من هذه الكتب.
قد يقول قائل: إنه مع الجد تحتاج إلى سنة! طيب سنة، وبعدين؟ ويش أنت عجلان عليه؛ لأننا نمضي عشرات السنين ما صنعنا شيء، فبعد ذلك إذا تأهل فينظر في الكتب التي فيها فائدة، وفيها شوب بدعة؛ لأنها فيها فوائد، لكن مع ذلك يمنع من النظر فيها في المرحلة الأولى والثانية والثالثة وجود هذه البدع، فعندك مثلاً تفسير الزمخشري فيه من الفوائد اللغوية والبلاغية والبيانية قد لا يوجد في غيره مثله، ونعرف أنه معتزلي وشبهه استخرجها أهل العلم بالمناقيش، ومع ذلك لا تنظر فيه مجرداً، انظر فيه مع حواشيه، والأمنية قائمة في أن يتصدى أهل السنة وأهل الخبرة، أهل الاختصاص في العقيدة، وأهل الذهن الحاضر الوقاد لهذه الكتب فيعلق على ما فيها من مخالفات؛ لأننا قد نجد من يعلق على الزمخشري ويبين اعتزالياته، لكن هو متلبس ببدعة أخرى، فكون هذه الكتب لا ينظر فيها من قبل أهل السنة، وقد يدور ذكرها على بعض الألسنة ونجد –مثلاً- في تفسير ابن كثير: نقول عن الزمخشري، نقول عن الرازي، فطالب العلم إذا قرأ في هذه النقول استهواه ما نقله الحافظ ابن كثير عن هذه الكتب إلى الرجوع إلى هذه الكتب، لكن لا يمكن أن يجرؤ طالب علم إلى القراءة في مثل تفسير الرازي؛ لأنه خطر على طالب العلم، خطر، ولذا المرجو والمطلوب من أهل التحقيق من أهل العلم الذين عندهم خبرة ومعرفة بهذه الأمور أن يعلقوا على هذه الكتب، فيستفاد منها ويتقى شرها.
إذا انتهينا من هذه الطريقة -قرأنا كتب التفسير بهذه الطريقة- نخرج بفائدة عظيمة، هذه الكتب مطولات قد يقول طالب: أنا لا أستطيع أن أستوعب هذه المطولات، وهذه الطريقة تصلح لكتب التفسير وكتب الحديث وغيرها من الكتب.
يكون معك أقلام أربعة أو خمسة بألوان، وأنت تنظر في تفسير القرطبي –مثلاً-: وهو أطول تفسير في أحكام القرآن، وفيه من الفوائد شيء كثير، لكنه على مذهب الأشاعرة.
وأيضاً فيه من الأحاديث الضعيفة والواهية والموضوعة شيءٌ كثير؛ لأنه ليس من أهل الصناعة، تقرأ في تفسير القرطبي –مثلاً- وعندك الأقلام الملونة، والمسألة مسألة جرد قراءة؛ لأن الكتاب من عشرين مجلد، إذا أردت أن تقف عند كل مسألة ما تنتهي، تأخذ القلم الأحمر وتقول: قف، عند مبحث تريد حفظه؛ لأن بعض المباحث يمر عليك في هذا التفسير أوفي غيره لا بد أن تحفظه؛ مثل هذا لا يمكن أن يمر ثانية، هذا تستفيد منه في كل العلوم ينير لك طريقك، بعض التوجيهات في بعض الكتب هذه يفتح الله -جل وعلا- بها على هذا المؤلف بحيث لا توجد عند غيره، فمثل هذه اكتب: قف -بقلم أحمر-، وفي طرة الكتاب تقول: اللون الأحمر -مثلاً- صفحة كذا.
يأتيك مسألة صعبت عليك وتريد أن تراجعها لتفهمها الأخضر: قف.
تذكر الاصطلاح في طرة الكتاب: الأحمر لما يراد حفظه، الأخضر لما يراد مراجعته، تحتاج تراجع على شان تفهم، إذا ما فهمت بنفسك راجع أهل العلم يحلون لك هذا الإشكال، وجدت مقطعاً أعجبك أسلوبه وتريد أن تستفيد منه في إنشاءك، وفي إلقاءك وفي تعليمك فتأتي بالقلم الأسود وتقول: قف؛ لتعود إليه مرة ثانية، فتنقله إلى مذكرتك، وهكذا.
بهذه الطريقة في سائر الكتب المطولة يستفيد طالب العلم؛ لأن هذه المطولات لا يمكن أن تعامل معاملة متون، فتفهم كل شيء فيها؛ ما يمكن؛ لأن أهل العلم لما صنفوا المصنفات وجعلوا منها المختصرات؛ لتحفظ، وجعلوا منها المطولات؛ لتُفْهِم ويستفاد منها، ويستعان بها على فهم هذه المختصرات.

من محاضرة :المنهجية في قراءة الكتب وجرد المطولات للشيخ عبد الكريم الخضير