مشاهدة النسخة كاملة : الصيام - العلامة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ


جبل
08-05-2010, 01:55 AM
العلامة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ في الصيام*

العلامة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ في الصيام*

ـ الصوم بالرؤية لا بالحساب:
قال ـ رحمه الله ـ : و بعضٌ من العلماء يُسوِّغ الصيام بالحساب، و هو قولٌ في مذهب الشافعي، و أظنُّه اختيار ابن سريج. و لكنَّ القول عندهم كغيرهم هو ما دلَّت عليه الأحاديث و ما عُلم بالسنة الثابتة من أنَّه لا صيام إلاّ بالرؤية؛ و لهذا في الحديث:« إنَّا أمَّة أميَّة لا نكتُب ولا نحسُب »(رواه الشيخان و أبو داود و النسائي)، « فلا تصوموا حتّى تروه ولا تُفطروا حتّى تروه»(رواه مسلم و أحمد).

ـ لو صيم يوم الشك لم يجز عن رمضان:
وصلَ إلى دار الإفتاء سؤالٌ عمَّن تبيَّن له بعد ما صام يوم الشك أنَّه من رمضان؛ هل يُجزئه ذلك اليوم، أم لابدَّ من قضائه؟
فأجاب سماحة المفتي ـ رحمه الله ـ بالجواب التالي:الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً، و الصلاة و السلام على أفضل الخلق و أحسنهم منهجاً: أيها الصائمون تقبَّل الله صيامنا و صيامكم و أعاننا و إيَّاكم على ذِكره و شُكره و حُسن عبادته. جواباً على هذا السؤال نقول: لا يُجزؤه صيام ذلك اليوم بل يَتعيَّن عليه قضاؤه؛ لما روى أبو داود، والترمذي، و النسائي، و ابن ماجه، و ابن حبان ، و الحاكم، و الدار قطني، من طريق صِلة بن زفر قال:" كنَّا عند عمَّار بن ياسر في اليوم الذي يُشكُّ فيه، فأُتي بشاةٍ مصليَّةٍ، فقال: كلوا. فتنحى بعض القوم، فقال له: إني صائمٌ، فقال عمَّار: من صام اليوم الذي يَشكُّ فيه الناس فقد عصى أبا القاسم ـ صلى الله عليه وسلم ـ "، قال الترمذي:"و في الباب عن أبي هريرة و أنس. قال: و العمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ و من بعدهم من التابعين، و به يقول سفيان الثوري و مالك و عبد الله ابن المبارك و الشافعيُّ و أحمد و إسحاق؛ كرهوا أن يصوم الرجل اليوم الذي يُشكُّ فيه، و رأى أكثرهم إنْ صامه فكان من شهر رمضان أن يقضي يوماً مكانه"اهـ.

و لا شك في تناول أدلَّة المنع إذا حال دون منظر الهلال غيمٌ أو قَترٌ ليلة الثلاثين؛ كما تناولت غيره فالجميع يصدق عليه أنَّه يوم شك.
و في’’المغني‘‘لابن قدامة:"أنَّ المنع من صومه و عدم إجزائه إذا تبيَّن أنَّه من رمضان هو رواية عن أحمد. قال الموفق: و هو قول أكثر أهل العلم منهم أبو حنيفة و مالك و الشافعي و من تبعهم لما روى أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ ، قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ :« صوموا لرؤيته و افطروا لرؤيته فإن غُمَّ عليكم فاقدروا له ثلاثين يوماً» رواه مسلم، و قد صحَّ عن النبيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ :« أنَّه نهى عن صوم يوم الشك» متفق عليه، و هذا يوم شك، و الأصل بقاء شعبان فلا يُنتقل عنه بالشك"اهـ.
و لقوَّة رواية منع صوم يوم الشك مُطلقاً من ناحية النصوص جنح الإمامان الشيخ عبد الرحمن بن حسن ابن مجدِّد الدعوة المحمدية شيخ الإسلام محمد بن الوهاب و ابنه الشيخ عبد اللطيف إليه في فتاواهما، في فتوى الشيخ عبد الرحمن: أنَّ المنع هو اختيار شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، قال الشيخ عبد الرحمن ابن حسن:"استدل الأئمَّة على تحريم صيامه بحديث عمَّار، و هو ما رواه أبو داود، و النسائي، و ابن ماجه، و الترمذي، عن صِلة بن زفر، قال:" كنَّا عند عمَّار بن ياسر و أُتي بشاة مصلية فقال:كلوا، فتنحى بعض القوم، فقال عمّار: من صام اليوم الذي يُشك فيه فقد عصى أبا القاسم ـ صلى الله عليه وسلم ـ "، قلت: و هذا عند أهل الحديث في حكم المرفوع، و قد جاء صريحاً في حديث أبي هريرة الأمر بإكمال عدة شعبان ثلاثين إذا غُمِّي الهلال، و هو عند البخاري في صحيحه:عن أبي هريرة أنَّ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: قال أبو القاسم ـ صلى الله عليه وسلم ـ :« صوموا لرؤيته و أفطروا لرؤيته فإن غُمَّ عليكم فأكملوا عِدَّة شعبان ثلاثين »، قال الحافظ: و هذا الحديث لا يَقبل التأويل، و ذكر أحاديث كثيرة، منها ما رواه أبو داود و أحمد و غيرهما عن عائشة قالت: " كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يتحفَّظ من هلال شعبان ما لا يتحفَّظ من غيره، ثمَّ يصوم رمضان لرؤيته فإن غُمَّ عليه أتمَّ ثلاثين يوماً ثمَّ صام "، و هذا صريحٌ في أنَّه ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يُشرِّع لأمَّته صيام الثلاثين إذا غُمَّ الهلال ليلته، فهذا و غيره من الأحاديث بيَّن أنَّ الحجة مع من أنكر صيام ذلك اليوم إذا غُمَّ الهلال، و أنَّ السنة إكمال شعبان ثلاثين إذا لم ير الهلال، و هو اختيار شيخنا محمد بن عبد الوهاب ـ رحمه الله تعالى ـ "اهـ.
و قال الشيخ عبد اللطيف في فتواه في المسألة:"و مع منع صومه من الأحاديث الصحيحة النبوية التي تعدَّدت طُرقها ما لا يدفعه دافعٌ، و لا يُقاومه مقاومٌ، و لا يُعارضه معارضٌ، و إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل"اهـ، و بيَّن الشيخ عبد اللطيف أنَّ رواية:" فاقدروا له"؛ تفسِّرها رواية مسلم من حديث ابن عمر:« فإن أغمي عليكم فاقدروا له ثلاثين»، و روايات:"إكمال العدة ثلاثين .
قال: فتعيَّن ما قاله الجمهور؛ لأنَّ المُجمل يُحمل على المفصَّل، و المُشتبه على المُحكم. و إذا تبيَّن مُراده ـ صلى الله عليه وسلم ـ تعيَّن و وَجب. و الخلاصة أنَّ صيام يوم الشك ممنوع، ولا يُجزئ عن رمضان إذا تبيَّن أنَّه منه، و لا تخفى إذا تبيَّن أنَّه منه، و لا تخفى علينا الروايات الأخر فيه، و لكن وقوفاً مع النصوص اكتفينا برواية المنع، و اخترناها، و الله أعلم.

ـ الخلاف في مسألة توحيد الرؤية لا يَضر:
اطَّلع سماحة المفتي ـ رحمه الله ـ على ورقة المشروع الذي أُعدَّ لإجابة الأمانة العامة لجامعة الدول العربية حول البحث في موضوع مواقيت أهلَّة رمضان و الفِطر و الحج.فأجاب بقوله:
.. و أُفيدكم أنَّ هذه مسألة فروعيّة، و الحقُّ فيها معروفٌ كالشمس. و الفصل في ذلك قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ :« صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين»، الخلاف في تطبيق مدلول هذا الحديث و غيره بتأويل ـ اجتهاداً أو تقليداً
ـ مثل نظائره في المسائل الفروعيّة، و جِنس هذا الاختلاف لابدَّ منه في المسائل الفروعيّة، و لا يضر.
إنَّما الهامُّ هو النَّظر في الأصول العِظام التي الإخلال بها هادمٌ للدين من أساسه، و ذلك: مسائل توحيد الله ـ تعالى ـ بإثباتِ ما أثبت لنفسه في كتابه و أثبته له رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الأسماء و الصفات: إثباتاً بلا تمثيل و تنزيهاً بلا تعطيل. و كذلك توحيد الألوهية، و توحيد الربوبية. و كذا توحيد الاتِّباع، و الحكم بين الناس عند النزاع: بأن لا يُحاكم إلاّ إلى الكتاب و السنة، و لا يُحكم إلاّ بهما. و هذا هو مضمون الشهادتين اللتين هُما أساس الملة: شهادة أن لا إله إلاّ الله، و أنَّ محمداً رسول الله، بأن لا يُعبد إلاّ الله، و لا يُعبد إلاَّ بما شرعه رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، و أن لا يُحكم عند النزاع إلاّ ما جاء به رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ . هذا هو الحقيقُ بأن يُهتم به و تُعقد المجالس و المجتمعات لتحقيقه و تطبيقه.لذا لا أرى و لا أوافق على هذا المجتمع الذي هو بخصوص النظر فيما يتعلَّق بأهلة الصوم و الفطر و نحوهما. و قد درجت القرون السابقة و جنس الخلاف في ذلك موجودٌ و لم يروه من الضار، و لا مما يُحوج إلى الاجتماع للنظر فيه. و السلام عليكم.

ـ حكم صوم من لا تطلُع عندهم الشمس أيام الشتاء مطلقاً:قال سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم ـ رحمه الله ـ في جوابٍ له على بعض المستفتين:
ذكرتَ أنَّ الشمس لا تطلع عندكم أيام الشتاء مُطلقاً، و أمّا الصيف فالنهار عندكم تسع ساعات فقط، و تسأل متى يكون فطركم ؟ و متى يكون إمساككم؟
والجواب: الحمد لله، أمّا الإمساك فقد قال الله ـ تعالى ـ :( وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ ) (البقرة:187)
فما دام الليل باقياً فلا حرج على من أكل أو شرب، و الأصل بقاء الليل، فإذا تبيَّن الفجر لزم الإمساك مع الاحتياط ببضع دقائق قبل تبيُّن الفجر احتياطاً للعبادة .
و أما الفطر فالأصل بقاء النهار، فلا يُفطر حتّى يغلب على الظنِّ غروب الشمس و يُعرف ذلك بغشيان الظلام و اختفاء أنوار الشمس، فإذا غلب على ظنِّ الإنسان ذلك باجتهادٍ أو بخبرِ ثقةٍ جاز له الفِطر.

ـ إذا اشتبه دخول الشهر و خروجه على من بأمريكا أو غيرها فما يجب عليهم:
قال العلامة محمد بن إبراهيم ـ رحمه الله ـ في إحدى مكاتباته: فقد وصل إلينا كتابك الذي ذكرتَ فيه سفركم إلى أمريكا، و ما تُلاقون من مصاعب في كيفية اختيار الطريق لأسلم لصحة دينكم... إلى آخره.
والجواب: الحمد لله، ما دام أنَّ سفركم لتلك البلد سائغاً، و لم يبق إلاّ السؤال عن مسألة جزئية كحكم الصيام و نحوه، فنقول: أمّا موضوع الصيام الذي ذكرتم أنّه من المشاكل التي تُواجهونها في بدء شهر الصيام و نهايته.
فجوابه: أنَّ ما لا يتمُّ الواجب إلاّ به فهو واجب، فيتعيَّن عليكم الاتصال بالجهات المختصَّة للتحقق عن دخول شهر رمضان و خروجه لأداء هذا الركن العظيم من أركان الإسلام و أداء صيام شهر رمضان بيقين. و السفارة السعودية لديكم تسهل لكم هذه المهمة. فإذا فعلتم ما تقدرون عليه من ذلك فلم تتحصَّلوا على خبرٍ يقينٍ، فقد ذكر الفقهاء حُكم ما إذا اشتبهت الأشهر على أسيرٍ أو مطمورٍ أو بمفازة ونحوها فإنَّه يتحرَّى و يجتهد في معرفة شهر رمضان وجوباً كاستقبال القبلة. فإنْ وافق الشهر أو بعده أجزأ صيامه، و إن وافق قبله لم يجزئ نصَّ عليه الإمام أحمد؛ لأنَّه أتى بالعبادة قبل وقتها فلم يُجزه كالصلاة، فعلى هذا إن سبقتم رمضان فعليكم قضاؤه، وإن تأخَّرتم عنه بيومٍ أجزاكم إلاّ أن يُوافق يوم العيد فلا يجزئ صيامه، بل و لا يَحلُّ.
و أمَّا أجهزة المواصلات الحديثة؛ فلا بأس من اعتماد ما يُذاع فيها إذا كان صادراً من المجالس الشرعية بصفةٍ مجزومٍ بها من الجهات المعنيَّة بمثل هذا.

ـ اعتماد خبر الراديو في دخول الشهر و خروجه:
سؤال: فهل يجب الصيام بقول إذاعة مكة ؟ و كذلك ما حُكم من سمع الإذاعة فأصبح مفطراً ؟ وكذلك ما حكم من لم يبلغه خبر الصيام إلا بعد طلوع الشمس و هو لم يأكل و لم يشرب ؟
جواب: العلامة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ـ رحمه الله ـ : الحمد لله، لا بأس من اعتماد خبر الراديو إذا استمرَّت العادة أنَّه لا يُذاع إلاّ ما هو محقَّقٌ و ثابتٌ؛ لأنَّ القصد فيه الثبوت و التحقُّق، فكلُّ خبرٍ يغلبُ على الظنِّ صِدقه لما حفَّ به من القرائن و شواهد الأحوال؛ فإنَّه يُقبل، و كلُّ خبرٍ يغلبُ على الظنِّ كذبه لما يحفُّ به من القرائن و شواهد الحال؛ فإنَّه يُردُّ.
لكن يُشترط في سامع الخبر من الراديو عدالته و يقظته و تحققه عمَّا سمعه، و عن مصدره، و عن الإذاعة التي سمعه عنها؛ لاختلاف المحطات الصادر عنها ذلك الخبر في القبول وعدمه،وذلك بسبب اختلاف المراجع؛ إذ منها ما يُعتمد على خبره في أمور الدين، ومنها ما هو بخلاف ذلك.أمَّا حكم من سمع الخبر من الإذاعة ولم يَلتفت إليه بل أصبح مفطراً فهذا يُعذر؛ لخفاء مثل ذلك عليه، و لعدم استقرار الفتوى في ذلك.أما الذي لم يَبلغه الخبر إلاّ بعد طلوع الشمس وهو لم يأكل ولم يشرب فإنَّه يُمسك حال وصول الخبر إليه، و يَقضي هذا اليوم، و الله أعلم و صلّى الله على نبيِّنا محمد و آله و صحبه و سلّم.

ـ ثبوت رؤية الهلال بشهادة عدلين و لا عبرة بكبر الأهلة، و صغرها، و لا بضعف المنازل:
قال العلامة الشيخ محمد بن إبراهيم ـ رحمه الله ـ في إحدى مكاتباته:
فقد وصل إلينا كتابك الذي تستفتي به عن قضاء صيام يوم الجمعة الموافق غُرَّة شوال، و ذكرتَ أنَّ بعض الناس قال: يجب قضاؤه؛ لأنَّ الهلال لم يُر ليلة السبت إلى آخر ما ذكرته.والجواب: لا يجب قضاؤه ذلك اليوم، بل و لا يجوز؛ لأنَّه قد ثبت ثبوتاً شرعياً أنَّه يوم العيد، و ذلك بشهادة رجلين عدلين عند قاضٍ من قضاة المسلمين، و عَمل الناس بذلك في جميع أقطار المملكة و غيرها، و قد ثبت عن النبيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيما أخرجه أبودود و الترمذي عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ ، أنَّه قال: « الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون، و الأضحى يوم تضحو »
و أمَّا ما زعمه بعض الناس من صِغر الهلال، و كونه لم يُر ليلة السبت؛ فقد قال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم : "باب بيان أنه لا اعتبار بكبر الهلال و صغره، و أن الله أمده للرؤية، فإن غم فليكمل ثلاثين "، و قال أبو وائل شقيق بن سلمة: أتانا كتاب عمر بن الخطاب أنَّ الأهلَّة بعضها أكبر من بعض، فإذا رأيتم الهلال نهاراً فلا تُفطروا حتّى يشهد رجلان مسلمان أنّهما رأياه بالأمس، و ثبت عن النبيِّ ـ صلّى الله عليه و سلّم ـ أنَّه قال:« صوموا لرؤيته، و أفطروا لرؤيته و انسكوا لها، فإن غُمَّ عليكم فأكملوا ثلاثين، فإن شهد شاهدان فصوموا و أفطروا »(رواه النسائي و أحمد)، و في معنى هذا جملةُ أحاديثٍ تُبيِّن أنَّه لا اعتبار للحساب و لا لضُعف منازل القمر، و لكِبر الأهلة و صِغرها، و إنَّما الاعتبار الشرعي بالرؤية الشرعية.
و إذا عُرف هذا فمعلوم أنَّ الناس صاموا رمضان ليلة الخميس بعد ثبوت الرؤية شرعاً بشهادة رجلين عدلين، و لما صاموا تسعاً و عشرين يوماً و ثبتت رؤية هلال شوال شرعاً ليلة الجمعة بشهادة رجلين عدلين لزم الناس الفطر بهذا. فمن تجاوز ما ثبت شرعاً فهو عاص آثم أو صاحب شكوك و وساوس، و كلاهما قد جانب الصواب، و الله الموفق يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم .

ـ إفطار رمضان لأجل المرض:
سؤال: إذا قرَّر الأطباء أنَّ صيام رمضان ممَّا يُضاعف بعض الأمراض مثل مرض الصدر أو يؤخر البرء أو يزيد المرض ونهوا المريض عن الصيام لهذه الأسباب؟
فأجاب صاحب السماحة الشيخ محمد بن إبراهيم ـ رحمه الله ـ بما يلي:
المنصوص أنَّ الفِطر في مثل هذه الحالة جائزٌ إذا كان الأطباء ثِقات غير مُتَّهمين، و تقريرهم عن علمٍ و خبرةٍ، و بعض العلماء يشترط إسلام الطبيب المقرِّر، و بعضهم لا يشترطه.

ـ فتوى مشابهة: قال الشيخ محمد ـ رحمه الله رحمةً واسعةًـ : وردنا سؤال من المريض... المصاب بدرنٍٍ رئويٍّ، و معه شهادة من الطبيب المختص ينصحه بعدم الصيام خمس سنوات متتاليات، و يسألنا عن الحكم في ذلك؟
والجواب: الحمد لله، قبول قول الطبيب المسلم الثقة في هذه الأمور سائغٌ، يجوز تأخير الصيام في المدة المذكورة عملاً بقوله.
و أمَّا غير المسلم الثقة فلعلَّه يَسوغ قَبول قوله في مثل هذه المسألة مدة المعالجة و ما بعدها بزمن غير طويل للضرورة و هي عدم وجود الطبيب المسلم الثقة، و بخلاف ما بعد المعالجة بزمن طويل، لاسيَّما مع إحساس الإنسان من نفسه بتمام البرء والنشاط والقوة على الصيام و غلبة ظنِّه أنَّ الصيام لا يُسبِّب زيادة المرض أو تأخير البرء.

ـ حكم إفطار من تلحقه مشقةٌ في عمله:سئل الشيخ محمد ـ رحمه الله ـ :عن الذي يذود الجراد و الدبا هل له الفطر ؟
فأجاب بما يلي: له ذلك إذا كان يلحقه مشقة، و وقعت هذه مراراً في رمضان و إذا سُئلتُ ما أُرخِّص في هذا؛ لأهميَّة هذه الفريضة، و لكون العوام لا يُبالون، و إذا وُجد ذلك جاء أناسٌ يترخصون أكثر، و هكذا؛ فيعمُّ الضرر في الدين في الإخلال به، و الفتوى تختلف باختلاف الأحوال و الأشخاص، و إلاّ فالرخصة دليلها معلوم.

ـ الصيام و الفطر في السفر: قال سماحة الشيخ محمد ـ رحمه الله ـ :اختلف العلماء أيُّهما أفضل: على أقوال، و الراجح أنَّ الفطر أفضل، لقوله: « أولئك العصاة » (رواه مسلم) للذين لم يقبلوا الرخصة، «و ليس من البرِّ الصيام فـي السفر»(رواه البخاري)، و حديث حمزة بن عمرو (رواه مسلم).
و هذا بخلاف صيام يوم عاشوراء نصَّ عليه أحمد أنَّه لا يُكره للمسافر،
و قاس عليه بعضٌ صيام يوم عرفة في حق المسافر.
و بعضٌ استظهر أن يقاس عليه كلَّ صوم يوم ليس بواجبٍ كصيام ثلاثة أيام من كلِّ شهر، و صيام الاثنين
و الخميس ونحو ذلك .

ـ حكم صيام المسافر إذا عَلِم أنَّه يرجع غداً:
قال الشيخ محمد بن إبراهيم ـ رحمه الله ـ : والقول بالوجوب من المفردات "أي أنَّ هذا قول المذهب الحنبلي دون غيره من المذاهب الأخرى"، و قول الثلاثة أنَّه لا يجب، و هو الموافق للرواية الأخرى عنه، و هذا هو الصحيح إن شاء الله، لأنَّه لم يزل في بقية العذر، فإنَّه مادام هكذا فهو في سفر، ما بقي عليه إلاّ ساعتان، و قياساً على المسافر في آخر اليوم، فقول الجمهور هو الصواب إن شاء الله من كونه لا يجب .

ـ تبييت النية: قال الشيخ محمد بن إبراهيم ـ رحمه الله و زاده من النعيم ـ :
وجوب تبييت النية لصوم كلَّ يوم واجب، هو الذي عليه الجمهور، أمَّا أبو حنيفة فلا يرى تبييت النية و من يقول بقوله، و هم بنوا ذلك على أنَّ سند الحديثين فيهما مقال، و فُهم من كلام ابن القيم و يُفهم من كلام شيخه موافقة أبي حنيفة، و هذا لأمرين؛ أولاً: قياساً على ما ثبت في النفل، ثانياً: قصة فرضية صيام يوم عاشوراء، و الاحتياط في قول الجمهور ظاهرٌ و أحوطٌ، و صيام عاشوراء ندب، ثمَّ فرض، ثم ندب.

ـ هل يَفسد صوم من وصل شيء من الكحل و نحوه إلى الحلق؟
قال ـ رحمه الله ـ : لكلِّ ما يُجعل في العين ليلاً ثمَّ لا يَجده في ريقه إذا بصق إلاّ نهاراً فهذا لا يضر؛ لعدم العلم بأنَّه لم يصل إليه بالنهار، فإنَّه يحتمل أنَّه لما اكتحل بالليل فلا يعلم أنَّه انتقل نهاراً، و الأصل صحة الصوم، و شكَّ في وجود المفسد، فلا يفسد.

ـ وضع القطرة عن طريق الأذن هل يُفسد الصوم؟
قال الشيخ محمد ـ رحمه الله ـ مجيباً:إن وصل إلى الحلق، و لا أعرف هل يصل منها شيء أم لا، فإن قدر وصوله فكالعين.

ـ هل يَفسد صوم من أمذى؟
قال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ـ رحمه الله ـ في درسه على ’’زاد المستقنع‘‘:
و هذا هو المعدود مذهباً "أي فساد صوم من أمذى هو الراجح في المذهب الحنبلي" . لكن الراجح هو القول الثاني وهو اختيار جماعة من الأصحاب و اختيار الشيخ أنَّه لا يفطر بذلك، و إلحاقه بالمني لا يَصح، و بينهما فروق عديدة.

ـ حكم صوم من أمنى بمباشرة أهله و لم يُجامعها:
سُئل سماحة الشيخ محمد ـ رحمه الله ـ عن رجلٍ دخل على أهله في نهار رمضان و هو صائم فأخذ يُداعبها و أنَّه لم يلحس جسمها لمساً مباشراً، ثمَّ إنَّه أمنى إمناءً تماماً، فماذا يترتَّب عليه ؟
فأجاب ـ رحمه الله ـ بقوله:
نُفيدكم أنَّ صيامه ذلك اليوم فاسدٌ يَلزمه قضاؤه، و لا كفَّارة عليه إذ الكفارة مخصوصةٌ بالوطء، و بالله التوفيق.

ـ هل الحجامة تُفسد الصوم؟
قال الشيخ محمد بن إبراهيم ـ رحمه الله ـ :التفطير بالحجامة هو الصحيح و لا يوجد حديث يقاومه، و الصحيح عند أهل الحديث أنَّ احتجام النبيّ المذكور في حديث ابن عباس في الحج فقط، و ذكره مع الصوم أو مجموعاً وهمٌ .

ـ هل الفصد مثل الحجامة في إفساد الصوم؟
قال الشيخ محمد ـ رحمه الله ـ :الصحيح الفطر بالفصد و إلحاقه بالحجامة بِجَامع أنَّ كُلاًّ منهما خروج منفعة من البدن، و الفصد يكون في بعض البلاد أحسن من الحجامة و في بعض البلاد بالعكس.

ـ هل الرعاف يفسد الصوم؟
قال ـ رحمه الله ـ ـ :أمَّا غير المعتمِّد فلا يُفطر بحالٍ عند جميع العلماء، كالقيء إذا ذَرَعه،
و الصواب أنَّه إذا عالج أنفه حتَّى أرعف سواءً قصد الرعاف فهذا مُفطر بكل حالٍ، أولا بأنَّ عالج أنفه معالجةً يحتاجها فأرعف.
ومثله أو استدعى خروج الدم من موضعٍ آخر، و لو ما هو بشرط " أي المحجم " والضرس كذلك في حقِّ الصائم إذا تعمَّده؛ و من المعلوم أنَّه يخرج منه دمٌ كثيرٌ؛ فيُفطر بذلك.

ـ إذا أكل ناسياً فهل يجب إخباره ؟
قال سماحة الشيخ ـ رحمه الله ـ :لا يَلزم تذكيره؛ لأنَّه لم يفعل مُنكراً، هو معذور، و المسألة فيها قولان، هذا أولاهما، و من قال إنَّه واجبٌ فعليه إقامة الدليل.

ـ الصائم إذا جامع و هو مسافر مفطر أو غير مفطر:
سؤال: الله سبحانه وتعالى أباح الفطر على المسافر. و إن كان أهله معه ثم جامع أهله و هو بالسفر نهاراً، فما يكون عليه الحكم الشرعي ؟ أفيدونا جزاكم الله خيراً.

جواب الشيخ العلاّمة محمد بن إبراهيم آل الشيخ ـ رحمه الله ـ : إذا كان مسافراً سفرَ قصرٍ و كان ذلك السفر غير سفر معصيةٍ؛ فإنَّ له الفطر في نهار رمضان، دلَّ على ذلك الكتاب و السنة و الإجماع؛ بل عند طائفة من العلماء أنَّه لا يُجزيه لو صام عن صيام رمضان، و النصوص من الكتاب و السنة الدالة على فطره بالسفر المذكور لم تفرِّق في تعاطيه المفطرات بين أكلٍ و شربٍ و جماعٍ، بل له تعاطي الجميع من غير فرقٍ، و حينئذ فهذا المجامع المذكور في السؤال لا يلزمه شيء.
بل هنا مسألةٌ أبلغ من ذلك، و هي أنَّه لو صام في السفر ثم جامع في هذا الصيام قد فسدَ صومه فقط، و لا كفارة عليه لوطئه المذكور؛ لأنَّه محكومٌ بفطره من حين عَزم على الجماع، فلم يقع جماعه المذكور في صومٍ لفطره قلبه بعزمِه على الجماع، و الله أعلم.

ـ كراهة ترك بقايا الطعام في الفم:
قال الشيخ محمَّد بن إبراهيم ـ رحمه الله ـ : ها هنا مسألة أخرى ممَّا يختصُّ بالصوم: ينبغي له التخليل قبل زمن الصوم، و لا ينبغي له أن يُخلِّل بعدُ، و ذلك أنَّه يُمكن أن يصل شيءٌ إلى فمه فيبتلعه؛ فكُره لذلك.

ـ إذا كان لا يستطيع الصيام مطلقاً:و قال سماحة المفتي ـ رحمه الله ـ وهو يُجيب على رسالة أحد المستفتين:
و فيه تستفتي عن مسألتين؛ أُولاهما: أنَّ عليك صيام رمضان ست سنوات عن ستة أشهر، و أنَّ هذا الشهر القادم يُعتبر السابع، و أنَّك لا تستطيع الصيام و أنَّ الأطباء قرَّروا أنَّ الصيام يضرُّك، و تسأل عن ذلك، و هل عليك إطعام أو نحوه؟
و جواب هذه المسألة: أنَّه متى تحقَّق لديك أنَّ الصيام يضرُّك وأخبرك بهذا طبيبٌ ثقةٌ؛ فلا بأس من تأخير صيامك إلى وقتٍ تقدر فيه على صيامه بدون أن يُؤثِّر على صحتك، و لا يضيرك أن تتراكم عليك أشهر الصيام؛ لأنَّك معذورٌ بمرضك ـ عجل الله لك الشفاء منه ـ ، و لا شيء عليك من إطعام أو غيره. فإن قُدِّر أنَّ هذا المرض يستمر، و تحقَّق لديك من تقرير الأطباء أنَّه لا يُرجى بُرؤه فأنت تُطعم عن كلِّ يومٍ مسكيناً مد من بر أو نصف صاعٍ من غيره بعدد أيام الصيام.

ـ وافق قضاء رمضان أوَّل يومٍ من رمضان وهو يظنُّه من شعبان:سؤال: إذا صام شخص صيام قضاء رمضان في آخر شعبان، فوافق أنَّ آخر يومٍ من أيام القضاء يكون من أيام رمضان، و لم يعلم هذا الشخص عن رؤية هلال رمضان إلاّ في الصباح لأنَّه في قرية بعيدة، فهل يُعتبر هذا اليوم قضاءً أو أداءً؟

جواب سماحة الشيخ العلامة محمد ابن إبراهيم ـ رحمه الله ـ : لا يصح قضاءً و لا أداءً و لا نفلاً. أمَّا كونه لا يصحُّ قضاءً و لا نفلاً؛ فلأنَّ وقت صيام رمضان وقت مضيق، و المضيق لا يتسع إلاّ لما شرع فيه، قال ـ تعالى ـ ( فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ) (البقرة:185)، و الأمر يقتضي الوجوب، فلا يجوز للمكلَّفِ أن يتلبَّس بصيام سواه.
و أمَّا كونه لا يصحُّ أداءً؛ فلأنَّ الصائم لم يَنو بصيامه هذا أن يكون من رمضان إلاَّ بعدما أصبح، فلا يصحُّ اعتبارها، لعموم قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ :« لا صيام لمن لم يبيِّت النية من الليل»(رواه الخمسة)،و بناءً على ذلك فيلزمه قضاء هذا اليوم من رمضان هذا العام.
و أمَّا اليوم الذي بقي عليه من رمضان عام 86هـ فيلزمه قضاؤه، و إذا كان تأخيره حتّى أدركه رمضان عام 87هـ لغير عذرٍ فيجب عليه مع القضاء إطعامُ مسكينٍ واحدٍ و هو مد من البر، و إذا كان لعذرٍ فلا يجب عليه إلاَّ القضاء لا غير... ، السلام عليكم.

ـ فتح المحاكم في رمضان، كغيره: سؤال من أحد القضاة: ما يخفي أنَّه قد نزل بساحة المسلمين شهرٌ كريمٌ، و موسمٌ عظيمٌ، جعلنا الله و إيَّاكم فيه من الفائزين، و الناس تكثر خصوماتهم و يشتدُّ فيه النزاع، و ذلك و الله أعلم بأسباب الذنوب التي يجرُّ بعضها بعضاً، و المعاهد تعطَّل فيه (أي في شهر رمضان)، و المدارس التابعة للمعارف تُغلق، و مردة الشياطين تصفَّد، فلعلَّ فضيلتكم يتفاهم مع جلالة الملك في إغلاق هذا الباب " أي باب المحاكم " في هذا الشهر؛ لأنَّ الخصومات كما لا يخفى تُسبِّب آثاماً و تُحدث بغضاء و شحناء و بلغم و نزاعاً طويلاً في أيام الصيام، و ربما يَصدر من الخصوم أشياء تُخلُّ بالصيام، فلعلَّك أثابك الله تسعى في إغلاق هذا الباب، و تحضا في ثوابه
و انكفاف الناس في هذا الشهر، جعلك الله من الهداة المهتدين، و الدعاة المرشدين، و أنت أهل لذلك، وكلمتك مسموعةٌ، و أمرك نافذٌ، و ساعٍ بخيرٍ، و لا مانع من استثناء الضروريات..، و نحن نسترشد دائماً من علمك، و نستفيد من فوائدك، و الله يتولى جزاءك في الدنيا و الآخرة، و يوفِّق إمام المسلمين لما فيه الخير.
جواب سماحة المفتي الأكبر ـ رحمه الله ـ :
علمت ما ذكرتم حول التماسكم السعي في إغلاق باب الجلوس للقضاء في رمضان.
و أفيدكم أنَّني لا أرى ذلك مُوافقاً؛ لأنَّ ذلك تعطيلاً لأمور المسلمين، و القضاء بهذه المثابة علم صالح، وجهاد، و لا يخفاكم ما ورد في فضل قضاء حوائج المسلمين، نرجو الله تبارك وتعالى أن يُوفِّقنا و إيَّاكم لما يُحبُّه و يرضاه، و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.

ـ ليلة القدر:
قال الشيخ العلاّمة محمَّد بن إبراهيم ـ رحمه الله ـ :بعض أهل العلم قال: إنَّها مرفوعة، و الصحيح و المعروف عدم رفعها؛ إذْ لا دليل عليه.

ـ دخول النساء المساجد بأطفالهن مع التحرز: قال الشيخ محمَّد ـ رحمه الله ـ في إحدى مكاتباته:
وصلنا كتابك الذي تسأل فيه عن دخول النساء المساجد بأطفالهنَّ؛ نُفيدكم أنَّه لا تُمنع النساء من إتيان المساجد بأطفالهنَّ في رمضان، فقد دلَّت السنة على إتيان النساء المساجد و معهن أطفالهن زمن النبيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، لحديث:« إنِّي لأدخل في الصلاة و أنا أُريد إطالتها فأسمع بكاء الصبيِّ؛ فأتجوَّز فيها مخافة أن أشقَّ على أمِّه»، و من ذلك:"حمل النبيّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ أُمامة في صلاة الفريضة و هو يؤمُّ الناس في المسجد .
لكن عليهن الحرص على صيانة المسجد من النجاسة بالتحرُّز في حق الأطفال في نومهم و غير ذلك،
و السلام عليكم.

الهوامش :
* هذه الفتاوى المباركة لسماحة العلامة مفتي الديار السعودية الشيخ/ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، موجودة في المجلد الرابع من مجموع الفتاوى.

</b></i>


منقول