مشاهدة النسخة كاملة : تدليس رواة الحديث وأنواعه للشيخ عبد الله السعد


ta3lime
06-21-2009, 09:34 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
تدليس رواة الحديث وأنواعه ([1])

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم .
أما بعد :
فهذا بحث مختصر فيما يتعلق بالتدليس وأنواعه وكيفية التعامل مع الراوي الموصوف بالتدليس ، فأقول وبالله التوفيق :
التدليس ينقسم إلى:
1- تدليس الإسناد.
2- تدليس التسوية.
3- تدليس الشيوخ.
4- تدليس الإرسال.
5- تدليس العطف.
6- تدليس المتابعة.
7- تدليس القطع أو السكوت.
8- تدليس الصيغ: أي صيغة التحمل.
9- تدليس البلدان.
10- تدليس المتون.
11- تدليس قد يختلف(1) عما تقدم وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام عليه.
وكل نوع من هذه الأنواع له حكم خاص في التعامل معه.
فإذا وصف الراوي بالتدليس فالذي ينبغي عمله هو :
أولا: التأكد من صحة ذلك .
من المعلوم أنه ليس كل من وصف بالتدليس يصح عنه ، وممن وصف بالتدليس ولم يصح عنه:
1_ شعبة بن الحجاج، فقد وصفه بذلك أبو الفرج النهرواني ولم يثبت ذلك عنه ، بل الثابت عنه خلافه ، وينظر «النكت على ابن الصلاح» لابن حجر (2/628ـ630) فقد ذكر ذلك عن النهرواني وردّه.
2_ عمرو بن عبيد الطنافسي,فقد ذكره ابن حجر في «النكت» (2/641) تحت ترجمة (من أكثروا من التدليس وعرفوا به) ، وفي «النكت» أيضاً (2/617) قال الحافظ ابن حجر: (وفاتهم أيضاً فرع آخر وهو تدليس القطع ، مثاله ما رويناه في «الكامل» لأبي أحمد بن عدي وغيره عن عمر بن عبيد الطنافسي أنه كان يقول: ثنا ثم يسكت ينوي القطع ثم يقول: هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها) اهـ .
قلت : إن هذا وهم ، والموصوف بذلك هو (عمر بن علي بن عطاء بن مقدم المقدمي)(1).
قال ابن سعد في «الطبقات» (7/291) عنه: (وكان يدلس تدليساً شديداً وكان يقول: سمعت وحدثنا ثم يسكت ثم يقول: هشام بن عروة ، الأعمش) اهـ .
وقال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي ذكر عمر بن علي فأثنى عليه خيراً ، وقال:
(كان يدلس ، سمعته يقول: حجاج سمعته يعني: ثنا آخر ، قال أبي: هكذا كان يدلس) اهـ من « تهذيب الكمال » .
وهذا النص موجود في سؤالات عبد الله بن أحمد لأبيه (3/14) ولكن أخطأ المحقق في قراءة النص ففصل أول الكلام عن آخره .
وأما عمر بن عبيد الطنافسي فلا أعلم أن أحداً وصفه بالتدليس أصلاً غير الحافظ ابن حجر في « النكت » ولذلك لا أعلم أن أحداً ذكره في «طبقات المدلسين » حتى ابن حجر في (طبقاته) لم يذكره ، فهذا يدل على وهمه عندما وصفه بالتدليس والله أعلم .
فعلى هذا لا بد من التأكد أولاً من وصف الشخص بالتدليس.
ثانيا: تحديد نوع التدليس الذي وصف به.
عندما يثبت أن هذا الراوي قد وصف بالتدليس فالذي ينبغي بعد ذلك تحديد نوع التدليس الذي وصف به، فأنواع التدليس كما تقدم عديدة، ولذلك أكثر أهل العلم من الحديث عن هذه الأنواع مع أنهم في كثير من المواضع يطلقون الوصف بالتدليس ولا يحددونه، وفي موضع آخر يبينون هذا النوع من التدليس الذي وصف به هذا الرواي ، أو أن بعضهم يصفه بالتدليس ويطلق ولا يبين ثم تجد أن غيره بين هذا النوع .
فمثلاً: (عبد الله بن وهب المصري).
قال عنه ابن سعد كما في « الطبقات» (7/518) .
(كان كثير العلم ثقة فيما قال: حدثنا وكان يدلس) اهـ .
قلت: لا أعلم أن أحداً وصفه(1) بالتدليس غير ابن سعد(2) وقد يُظن من كلام ابن سعد أنه يصفه بتدليس الإسناد والذي يظهر أن ابن وهب لا يدلس تدليس الإسناد بمعنى أنه يسقط من الإسناد من حدثه ، وإنما يدلس تدليس الصيغ(3) ويسيء الأخذ أحياناً في الرواية عن شيوخه .
قال ابن معين: سمعت عبد الله بن وهب قال لسفيان بن عيينة: يا أبا محمد الذي عرض عليك أمس فلان أجزها لي ، فقال: نعم .
وقال أيضاً: رأيت عبد الله بن وهب يعرض له على سفيان بن عيينة وهو قاعد ينعس أو وهو نائم. اهـ من « تاريخ الدوري» (2/236) .
وقال أحمد : عبد الله بن وهب صحيح الحديث يَفصِل السماع من العرض والحديث من الحديث ، ما أصح حديثه وأثبته!.
فقيل لأحمد: أليس كان يسيء الأخذ؟ قال: قد يسيء الأخذ ولكن إذا نظرت في حديثه وما روى عن مشايخه وجدته صحيحاً. اهـ من «تهذيب الكمال » .

وقال عبد الله بن أيوب المخرمي: كنت عند ابن عيينة وعنده ابن معين فجاء عبد الله بن وهب ومعه جزء فقال: يا أبا محمد أحدث بما في هذا الجزء عنك؟ فقال لي(1) يحيى بن معين: يا شيخ هذا والريح بمنزلة ، ادفع إليه الجزء حتى ينظر في حديثه. اهـ من « الكامل » (4/1518) .
وقال الساجي عنه: (صدوق ثقة ، وكان من العباد ، وكان يتساهل في السماع لأن مذهب أهل بلده أن الإجازة عندهم جائزة ، ويقول فيها: حدثني فلان) اهـ من « التهذيب » .
فالذي بيدو أن ابن سعد يقصد ما تقدم ، ولا يقصد أن ابن وهب يسقط من حدثه .
مثال آخر: (الوليد بن مسلم):
وصف بالتدليس ، وفي بعض المواضع لم يبين هذا النوع من التدليس الذي وصف به ، وفي الكتب الموسعة تجد أنه يدلس ثلاثة أنواع من التدليس وهي:
1- تدليس الإسناد.
2- تدليس التسوية(2).
وهذان مشهوران عنه ولا حاجة إلى ذكر الدليل على ذلك.
3- تدليس الشيوخ(3).
قال أبو حاتم بن حبان في «المجروحين» (1/91) : (ومثل الوليد بن مسلم إذا قال: ثنا أبو عمر فيتوهم أنه أراد الأوزاعي وإنما أراد به عبد الرحمن بن يزيد بن تميم وقد سمعا جميعاً عن الزهري) اهـ .
ومثله: بقية بن الوليد يدلس هذه الأنواع الثلاثة .
فعلى هذا : لا بد من تحديد نوع التدليس ؛ لأن كل تدليس يعامل بخلاف الآخر .
(3) فإذا حدد نوع التدليس الذي وصف به هذا الراوي
(فإن كان تدليس الإسناد)
فالذي ينبغي عمله هو:
أ ـ هل هو مكثر من هذا التدليس أو مقل؟ فمن المعلوم إذا كان مقلاً من هذا النوع من التدليس يعامل غير فيما لو كان مكثراً.
* قال يعقوب بن شيبة السدوسي: سألت علي بن المديني عن الرجل يدلس أيكون حجة فيما لم يقل: حدثنا ، قال: إذا كان الغالب عليه التدليس فلا حتى يقول: حدثنا. اهـ من «الكفاية» (ص362) .
وما ذهب إليه علي بن المديني ظاهر لأنه إذا كان مقلاً من التدليس فالأصل في روايته الاتصال واحتمال التدليس قليل أو نادر فلا يذهب إلى القليل النادر ويترك الأصل الغالب .
ولأنه أيضاً يكثر من الرواة الوقوع في شيء من التدليس ، فإذا قيل لا بد في قبول حديثهم من التصريح بالتحديث منهم ردت كثير من الأحاديث الصحيحة.
ولذلك لم يجر العمل عند من تقدم من الحفاظ يردون الخبر بمجرد العنعنة ممن وصف بشيء من التدليس ودونك ما جاء في الصحيحين وتصحيح الترمذي وابن خزيمة وغيرهم من الحفاظ .
* وأما ما قاله أبو عبد الله الشافعي في « الرسالة» (ص: 379 ـ 380) :
(ومن عرفناه دلس مرة فقد أبان لنا عورته في روايته .. فقلنا لا نقبل من مدلس حديثاً حتى يقول فيه: حدثني أو سمعت) اهـ .
فهذا الأقرب أنه كلام نظري ، بل لعل الشافعي لم يعمل به هو ، فقد روى لابن جريج في مواضع من كتبه بعضه محتجاً به بالعنعنة ، ولم يذكر الشافعي أن ابن جريج سمع هذا الخبر ممن حدث عنه ، ينظر( 498 و890 و903) من «الرسالة » ، وأبو الزبير أيضاً ، ينظر (484 ، 889) ، والأمثلة على هذا كثيرة لمن أراد أن يتتبعها .
* وقال أبو حاتم ابن حبان في مقدمة صحيحة كما في «الإحسان» (1/161) نحواً مما قال الشافعي ، ويجاب عليه كما أجيب عن قول الشافعي . وعمل الحفاظ على خلاف هذا كما تقدم . ولذلك قال يحيى بن معين عندما سأله يعقوب بن شيبة عن المدلس أيكون حجة فيما روى ، أو حتى يقول: حدثنا وأخبرنا ، فقال: لا يكون حجة فيما دلس. اهـ من «الكفاية » ( ص: 362 ) ، يعني إذا دل الدليل على أنه دلس في هذا الخبر لا يحتج به ، وليس حتى يصرح بالتحديث . ولذلك قال يعقوب بن سفيان في «المعرفة» (2/637) : (وحديث سفيان وأبي إسحاق والأعمش ما لم يعلم أنه مدلس يقوم مقام الحجة) اهـ .
ب ـ ثم ينظر: هل ثبت لهذا الراوي لقاء وسماع عمن حدث عنه أو لا؟
لأنه لابد من اتصال الخبر من ثبوت ذلك سواء كان هذا الراوي موصوفاً بالإرسال والتدليس أم لا ، وهذا ما ذهب إليه جمهور الحفاظ ممن تقدم.
* قال ابن رجب في « شرح العلل » ( ص: 272) :
(وأما جمهور المتقدمين فعلى ما قاله ابن المديني والبخاري ، وهو القول الذي أنكره مسلم على من قاله) اهـ .
لأن الأصل هو الانقطاع فلابد من ثبوت اللقاء والسماع حتى يحكم للخبر بالاتصال ، فإذا ثبت ذلك فنحن على هذا الأصل حتى يدل دليل على خلافه من كونه مثلاً لم يسمع هذا الراوي من شيخه إلا القليل ونحو ذلك كما سيأتي إن شاء الله تعالى .
وإرسال الأخبار من قبل الرواة كثير ، ولذلك وصف بهذا جمع كبير من الراوة خاصة في الطبقات العليا من الإسناد كطبقة التابعين فكثيراً ما يرسلون عن الصحابة ، أو في رواية الأبناء عن آبائهم مثل رواية أبي عبيدة عن أبيه ابن مسعود فإنه لم يسمع منه ، ورواية محمد بن إسماعيل بن عياش عن أبيه ، وعمرو بن شعيب عن أبيه ، وأبيه عن جده عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما ، ومخرمة بن بكير عن أبيه، ولذلك لا بد من ثبوت اللقاء بين الراوي ومن حدث عنه ، وقد تساهل في هذا كثير من المتأخرين حتى صححوا أسانيد لا شك في انقطاعها ، ومن أغرب ما مرّ علي في ذلك ما رواه ابن حبان في « صحيحه » (199) من طريق محمد بن إبراهيم عن سعيد بن الصلت عن سهيل بن بيضاء قال: (بينما نحن في سفر مع الرسول صلى الله عليه وسلم…) ، وسهيل مات في عهد الرسول كما جاء هذا في «صحيح مسلم» ، وسعيد بن الصلت تابعي وقد ترجم له ابن أبي حاتم في «الجرح» (4/34) ونقل عن أبيه أن رواية سعيد عن سهيل مرسلة، فكيف يروي رجل من التابعين عن صحابي مات في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم؟ وتنظر «الإصابة» فقد بين ذلك ابن حجر في ترجمة (سهيل بن بيضاء) ومن ذلك : ما رواه ابن حبان أيضاً (745) من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن عن ابن مسعود … فذكر حديثاً ، وهذا الخبر انقطاعه واضح ؛ لأن أبا سلمة لم يسمع من أبيه عبد الرحمن بن عوف ، وقد توفي وهو صغير وكانت وفاة عبد الرحمن وابن مسعود سنة 32 على المشهور ، فإذا كان لم يسمع من أبيه الذي هو في بيته، فعدم سماعه من ابن مسعود من باب أولى . والذي دعا ابن حبان إلى تصحيح هذه الأخبار هو عدم أخذه بهذا الشرط ولذلك قال ابن رجب في «شرح العلل» (ص: 371) : (وكثير من العلماء المتأخرين على ما قاله مسلم رحمه الله من أن إمكان اللقي كاف في الاتصال من الثقة غير المدلس وهو ظاهر كلام ابن حبان وغيره ..) اهـ .
أما إذا نص الحفاظ على أن هذا الراوي لم يسمع من شيخه إلا القليل كأن يكون سمع منه حديثاً أو حديثين أو نحو ذلك فحينئذٍ يكون الأصل في روايته الانقطاع إلا ما صرح فيه بالسماع أو نص الحفاظ على أنه سمع هذا الخبر بعينه عمن رواه عنه ونحو ذلك .
ومثال على هذا رواية الحسن عن سمرة ، ثبت في «صحيح البخاري» سماعه من سمرة لحديث العقيقة وقد روى نحواً من (164) حديثاً بالمكرر كما في الطبراني في «الكبير» (7/6800 ـ 6964) .
وبعض هذه الأحاديث فيها نكارة ، ولا شك أن العلة في ذلك ليست من الحسن لأنه إمام ، فعلى هذا تكون من الواسطة بينهما ولذلك القول الراجح في رواية الحسن عن سمرة : الأصل أنها منقطعة ، والقول بأنه لم يسمع منه إلا حديث العقيقة قول قوي ، وقد أخرج عبد الله بن أحمد عن أبيه ثنا هشيم أخبرنا ابن عون قال: (دخلنا على الحسن فأخرج إلينا كتاباً من سمرة ..) اهـ من «العلل» (2/260) فهذا يؤيد أنها صحيفة ولم تكن سماعاً ، والله أعلم .
ج ـ ثم ينظر: هل هو يدلس على الإطلاق ، أو دلس عن شيوخ يعينهم ، أو إذا روى عن شيخه (فلان) فإنه لا يدلس عنه ، أو أنه يدلس في فن معين ، أو لا يدلس إلا عن ثقة ؟
فإذا كان يدلس في شيوخ معينين فلا يصلح تعميمه في غيره ، فمثلاً: (عبدالله بن أبي نجيح) روى عن مجاهد (التفسير) وهو لم يسمعه منه ، وإنما لعله دلسه ، فعلى هذا لا يعمم هذا الحكم في كل رواية رواها ابن أبي نجيح عن مجاهد على أن الواسطة بينهما في رواية التفسير ثقة ، فعلى هذا تكون صحيحة . ومن ذلك: ما قاله عبد الله بن أحمد عن أبيه وقد ذكر (عطية العوفي) فقال: (هو ضعيف الحديث ، بلغني أن عطية كان يأتي (الكلبي) فيأخذ عنه التفسير وكان يكنيه بأبي سعيد ، فيقول: قال أبو سعيد قال أبو سعيد).
قال عبد الله: وحدثنا أبي ثنا أبو أحمد الزبيري سمعت الثوري قال: سمعت الكلبي قال: كناني عطية بأبي سعيد.
قال ابن رجب: (لكن الكلبي لا يعتمد على ما يرويه ، وإن صحت هذه الحكاية عن عطية فإنما يقتضي التوقف فيما يحكيه عطية عن أبي سعيد من التفسير خاصة ، فأما الأحاديث المرفوعة التي يرويها عن أبي سعيد فإنما يريد أبا سعيد الخدري ويصرح في بعضها بنسبته) اهـ من «شرح العلل» (ص: 471) . والشاهد من هذا هو عدم تعميم هذا الحكم في كل ما رواه عطية عن أبي سعيد فيقال (لعله الكلبي) ويستدل على هذا بالقصة السابقة.
ومن ذلك: أن الحفاظ ينصون أحياناً أن فلاناً ليس له تدليس عن فلان أو غيره من شيوخه. ومن ذلك: ما قاله البخاري عن الثوري: (ولا أعرف للثوري عن حبيب بن أبي ثابت ولا عن سلمة بن كهيل ولا عن منصور ـ وذكر مشايخ كثيرة ـ ولا أعرف لسفيان عن هؤلاء تدليساً ، ما أقل تدليسه) اهـ من «العلل الكبير» للترمذي (2/966) .
ومن ذلك: إذا كان الرواي الموصوف بالتدليس مكثراً عن شيوخ معينين فالأصل في روايته أنها تحمل على الاتصال ، قال الذهبي في «الميزان» (2/224) عن الأعمش: (وهو يدلس وربما دلس عن ضعيف ولا يدري به فمتى قال حدثنا فلا كلام ، ومتى قال عن تطرق إليه احتمال التدليس إلا في شيوخ له أكثر عنهم كإبراهيم وأبي وائل وأبي صالح السمان فإن روايته عن هذا الصنف محمولة على الاتصال) اهـ .
د ـ ثم ينظر بعد ذلك إلى القرائن الأخرى من استقامة الخبر .
فإذا وجد في الخبر نكارة أو غرابة أو مخالفة فهذا قرينة على التدليس ، ولذلك تجد أن الأئمة أحياناً إذا استنكروا شيئاً ردوه بعدم ذكر السماع كما هو معلوم .
وأما إذا كان المدلس يدلس تدليس التسوية:

أ ـ فينظر إلى تصريحه بالتحديث بينه وبين شيخه وشيخ شيخه لأن التسوية هي إسقاط شيخ شيخه من قبل الراوي. وقد يكون المسقط ضعيفاً هو الغالب أو لا ، ينظر « النكت على ابن الصلاح » لابن حجر (2/621) .
ب ـ هذا النوع وهو (تدليس التسوية) من حيث الناحية العملية ليس بالكثير.
فمثلاً (بقية بن الوليد) وهو ممن وصف بذلك لو فتشت عن أمثلة لهذا النوع من التدليس قد لا تجد إلا مثالاً واحداً ذكره الخطيب في «الكفاية» (ص 364) عن أبي حاتم الرازي ، وهو في «العلل» ( 2/154 ـ 155) وذكر أيضاً هذا المثال من جاء بعد الخطيب. ولعل (الوليد بن مسلم) أكثر من يفعل ذلك كما في ترجمته ، وهذا لم يثبت عنه إلا في حديث الأوزاعي خاصة .
ج ـ ذكر من وصف بذلك وهم:
1- بقية بن الوليد.
2- الوليد بن مسلم.
3- صفوان بن صالح(1).
4- ومحمد بن المصفى(2).
5- سليمان الأعمش.
6- الثوري(3).
7- هشيم بن بشير(4).
8- سنيد بن داود(5).
9- إبراهيم بن عبد الله المصيصي(6).
10- أصحاب بقية بن الوليد(7).
وكان مالك بن أنس يفعل ذلك ولكن لم يكن يقصد التسوية ، ينظر «النكت» لابن حجر على ابن الصلاح (2/618 ـ 620) . ولا أعلم غير هؤلاء وصفوا بالتسوية .
وأما تدليس الشيوخ:
فهو أن يسمي شيخه أو يكنيه خلاف اسمه المشهور في اسمه أو كنيته كما فُعل بـ (محمد بن سعيد الأسدي الشامي المصلوب) قال ابن حجر: قيل: قلبوا اسمه على مائة وجه ليخفى .
فالذي ينبغي عمله تجاه هذا النوع هو تحديد اسم الراوي والتأكد من ذلك حسب.
وأما تدليس الإرسال:
فينظر في ثبوت لقاء وسماع هذا الراوي من شيخه الذي روى عنه ، فإذا ثبت ذلك فتحمل باقي أحاديثه على الاتصال حتى يدل دليل على خلاف ذلك كأن يكون لم يسمع منه إلا القليل أو حديثاً بعينه لم يسمعه ، وقد تقدم الكلام على هذا.
وأما تدليس العطف:
فهو أن يروي الراوي عن شخص سمع منه ثم يعطف عليه راو آخر لم يسمع منه ، وقد روى الحاكم في « معرفة علوم الحديث » ( ص: 131) فقال : ( وفيما حدثونا أن جماعة من أصحاب هشيم اجتمعوا يوماً على أن لا يأخذوا منه التدليس ففطن لذلك فكان يقول في كل حديث يذكره: حدثنا حصين ومغيرة عن إبراهيم ، فلما فرغ قال لهم: هل دلست لكم اليوم؟ فقالوا: لا ، فقال: لم أسمع من مغيرة حرفاً مما قلته إنما قلت حدثني حصين ، ومغيرة غير مسموع لي) ا هـ .
فهذه القصة لم يسندها الحاكم فعلى هذا لا تصح ، ومن ذكرها إنما ذكرها عن الحاكم ـ فيما أعرف ـ .
ولكن في «العلل» للإمام أحمد برواية عبد الله خبرا من رواية هشيم قد يصلح أن يكون مثالاً على هذا النوع ، قال عبد الله (2192) ثني أبي ثنا هشيم قال: وعبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر …
قال عبد الله: سمعت أبي يقول: لم يسمعه هشيم من عبيد الله .
وكان عبد الله قد روى قبل ذلك عن أبيه: ثنا هشيم أخبرنا الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس.. ثم قال: وعبيد الله بن عمر … فظاهر هذا أن هذا من تدليس العطف .
وأما تدليس المتابعة:
فأعني به أن يروي الراوي خبرا عن شيخين له أو أكثر ويكون بين من روى عنهم اختلاف إما باللفظ أو الإسناد ، فيحمل رواية أحدهما على الآخر ولا يبين.
قال ابن رجب في «شرح العلل» (ص: 506) :
( شعيب بن أبي حمزة عن ابن المنكدر روى عنه أحاديث منها: حديث ابن المنكدر عن جابر مرفوعاً (من قال حين يسمع النداء … الحديث) وقد خرجه البخاري في «صحيحه» وله علة ذكرها ابن أبي حاتم عن أبيه ، قال: قد طعن في هذا الحديث ، وكان عرض شعيب على ابن المنكدر كتاباً فأمر بقراءته عليه فعرف بعضاً وأنكر بعضاً ، وقال لابنه أو ابن أخيه: اكتب هذه الأحاديث فدوّن شعيب ذلك الكتاب ولم يثبت رواية شعيب تلك الأحاديث على الناس ، وعرض عليّ بعض تلك الكتب فرأيتها مشابها لحديث إسحاق بن أبي فروة ، وهذا الحديث من تلك الأحاديث قال ابن رجب: ومصداق ما ذكره ابن أبي حاتم أن شعيب بن أبي حمزة روى عن ابن المنكدر عن جابر حديث الاستفتاح في الصلاة بنحو سياق حديث علي ، فرجع الحديث عن الأعرج ، وإنما رواه الناس عن الأعرج عن عبيد الله بن أبي رافع عن علي بن طالب ، ومن جملة من رواه عن الأعرج بهذا الإسناد إسحاق بن أبي فروة ، وقيل إنه رواه عن عبد الله بن الفضل عن الأعرج .
وروي عن محمد بن حمير عن شعيب عن ابن أبي فروة وابن المنكدر عن الأعرج عن محمد بن مسلمة .
ورواه أبو معاوية عن شعيب عن إسحاق عن الأعرج عن عبيد الله بن أبي رافع عن محمد بن مسلمة ، فظهر بهذا أن الحديث عن شعيب عن أبي فروة وكذا قال أبو حاتم الرازي: هذا الحديث من حديث ابن أبي فروة يرويه شعيب عنه .
وحاصل الأمر: أن حديث الاستفتاح رواه شعيب عن إسحاق بن أبي فروة وابن المنكدر ، فمنهم من ترك إسحاق وذكر ابن المنكدر ، ومنهم من كنى عنه فقال: عـن ابن المنكدر وآخر وكذا وقع في «سنن النسائي» ، وهذا مما لا يجوز فعله ، وهو أن يروي الرجل حديثاً عن اثنين أحدهما مطعون فيه والآخر ثقة ، فيترُكُ ذكر المطعون فيه ويذكر الثقة ، وقد نص الإمام أحمد على ذلك وعلّله بأنه ربما كان في حديث الضعيف شيء ليس في حديث الثقة وهو كما قال فإنه ربما كان سياق الحديث للضعيف ، وحديث الآخر محمولا عليه ، فهذا الحديث يرجع إلى رواية إسحاق بن أبي فروة وابن المنكدر ، ويرجع إلى حديث الأعرج ورواية الأعرج له معروفة(1) عن ابن أبي رافع عن علي ، وهو الصواب عند النسائي والدارقطني وغيرهما ، وهذا الاضطراب الظاهر أنه من ابن أبي فروة لسوء حفظه وكثرة اضطرابه في الأحاديث وهو يروي عن ابن المنكدر …
وقد كان بعض المدلَّسين يسمع الحديث من ضعيف فيرويه عنه ويدلسه معه عن ثقة لم يسمعه منه فيظن أنه سمعه منهما كما روى معمر :
عن ثابت وأبان وغير واحد عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه نهى عن الشغار.
قال أحمد : هذا عمل أبان ، يعني أنه حديث أبان وإنما معمر يعني لعله دلسه ..
ومن هذا المعنى: أن ابن عيينة كان يروي عن ليث وابن أبي نجيح جميعاً عن مجاهد عن أبي معمر عن علي حديث القيام للجنازة .
قال الحميدي: فكنا إذا وقفناه عليه لم يدخل في الإسناد أبا معمر إلا في حديث ليث خاصة ، يعني أن حديث: ابن أبي نجيح كان يرويه عن مجاهد عن علي منقطعا ، وقد رواه ابن المديني وغيره عن ابن عيينة بهذين الإسنادين ورواه ابن أبي شيبة وغيره عن ابن عيينة عن ابن أبي نجيح وحده وذكر في إسناده مجاهداً وهو وهم .
قال يعقوب بن شيبة: كان سفيان بن عيينة ربما يحدث بالحديث عن اثنين فيسند الكلام عن أحدهما فإذا حدث به عن الآخر على الانفراد أوقفه أو أرسله. اهـ .
في هذا الكلام الذي سبق ذكر ابن رجب ثلاثة أمثلة والكلام فيها قد يطول وبالذات الحديث الأول ، ولكن أذكر باختصار معنى ما ذكره ابن رجب فيما يتعلق بهذا النوع من أنواع التدليس :
فأما الحديث الأول: فأقول وبالله التوفيق :
شعيب من كبار الحفاظ وحديثه على ثلاثة أقسام :
1ـ إذا حـدث عن الزهري وهو أصح حديثه ، بالذات إذا كان من كتابه ، فكتبه من أصح الكتب وقد أثنى عليها أحمد ثناءً كبيراً .
2ـ إذا حدث عن غير الزهري ولا يكون شيخه ابن المنكدر كنافع مثلاً ، وهذا أيضاً صحيح ، ولكن دون الأول ، وبالذات إذا كان من كتابه .
3 ـ إذا حدث عن ابن المنكدر فقد تكلم أبو حاتم الرازي في روايته عنه ، والسبب في ذلك أن شعيباً أراد أن يسمع من ابن المنكدر فكتب أحاديثه ويظهر أنه أخذها من غير ثبت ـ ولعله ابن أبي فروة ـ فعندما عرضها على ابن المنكدر عرفه بعضها وأنكر البعض ويبدو أن شعيباً لم يصحح ذلك وبقي الكتاب عنده ، وكان شعيب عسرا في الراوية وعندما نزل به الموت جاء إليه وجوه الحمصيين وطلبوا منه الرواية عنه فأجازها لهم فرووها من كتبه ، ومنها روايته عن ابن المنكدر ، ومن حديث ابن المنكدر حيث الاستفتاح ، وكان شعيب سمعه أيضاً من ابن أبي فروة ، فروي عن شعيب عن ابن أبي فروة وابن المنكدر ، وروي أيضاً عن ابن المنكدر لوحده ويرى ابن رجب أن لفظ الحديث إنما هو لابن أبي فروة وليس لابن المنكدر ، واستدل بهذا على تأييد كلام أبي حاتم الرازي في حديث الدعاء بعد الأذان ، وهذا الحديث صححه البخاري بإخراجه في «صحيحه» (614) وأخرجه الترمذي (211) وقال (حديث حسن(1) غريب من حديث ابن المنكدر لا نعلم أحداً رواه غير شعيب بن أبي حمزة) .
وصححه ابن حزيمة (420) وابن حبان (1681) .
والكلام على هذا المثال يطول ، ولكن كما ذكرت المقصود هو الكلام على هذا النوع من أنواع التدليس.
وأما المثال الثاني الذي ذكره :
فرواه معمر عن ثابت وأبان بن أبي عياش ـ وهو متروك ـ كلاهما عن أنس ، فذهب أحمد إلى أن اللفظ المذكور إنما هو لفظ أبان وليس ثابت ، وأن لفظ حديث ثابت يختلف فعلى هذا يكون الحديث ضعيفاً .
وأما المثال الثالث :
فروى ابن عيينة حديثاً عن ليث ـ وهو ابن أبي سليم ـ وهو ضعيف عن مجاهد عن أبي معمر عن علي رضي الله عنه به .
ورواه أيضاً عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن علي به ، ومجاهد لم يسمع من علي فيكون منقطعاً ، فأحياناً يروي ابن عيينة الحديث عنهما فيعطف رواية ابن أبي نجيح على رواية ليث ولا يبين وهذا يفيد أن ابن عيينة أحياناً يدلس عن الضعفاء وإن كان الغالب عليه لا يدلس إلا عن الثقات.
ومن الأمثلة على ذلك :
ما رواه أبو داود (1573) من طريق ابن وهب أخبرني جرير بن حازم وسمى آخر عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة والحارث الأعور عن علي رضي الله عنه فذكر حديثاً في الزكاة.
* قال الزيلعي في «نصب الراية» (2/328) :
(ولا يقدح فيه ضعف الحارث لمتابعة عاصم له ، وقال عبد الحق في أحكامه: هذا حديث رواه وهب عن جرير بن حازم عن أبي إسحاق عن عاصم ، والحارث عن علي ، فقرن أبو إسحاق بين عاصم والحارث ، والحارث كذاب ، وكثير من الشيوخ يجوز عليه مثل هذا ، وهو أن الحارث أسنده وعاصم لم يسنده فجمعهما جرير وأدخل حديث أحدهما في الآخر وكل ثقة رواه موقوفاً ، فلو أن جريرا أسنده عن عاصم وبين ذلك أخذنا به) اهـ .
قلت: وما قاله عبد الحق واضح وهو أن رواية عاصم عن علي موقوفة ، وقال أبو داود: ورواه شعبة وسفيان وغيرهما عن أبي إسحاق عن عاصم عن علي ولم يرفعوه. اهـ .
وأما رواية الحارث عن علي فهي مرفوعة فرواه جرير عن أبي إسحاق عن عاصم والحارث عن علي مرفوعاً ، والصواب التفصيل كما تقدم .
مثال آخر:
روى الترمذي (1728) ثنا قتيبة ثنا سفيان بن عيينة وعبد العزيز بن محمد عن زيد بن أسلم عن عبد الرحمن بن وعلة عن ابن عباس رفعه: «أيما إهاب دبغ فقد طهر» .
قلت: اختلف الرواة عن زيد بن أسلم في لفظ هذا الحديث فبعضهم رواه بلفظ (أيما … ) كما هي رواية ابن عيينة ، ورواه آخرون بلفظ (إذا دبغ الإهاب … ) كما تقدم كما هي رواية مالك وغيره وفي رواية قتيبة السابقة يبدو أنه عطف رواية ابن عيينة لأنه جاء من طريق آخر عن الدراوردي بلفظ (إذا دبغ .. ) فقد رواه الدارقطني (1/46) في «سننه» من طريق ابن أبي مذعور عن الدراوردي به .
والأمثلة على هذا النوع من أنواع التدليس تكثر لمن أراد أن يتتبعها ، فهذا النوع من أنواع التدليس مهم جداً ، ويخفى على الكثير كما قال عبد الحق : (وكثير من الشيوخ يجوز عليه مثل هذا) ، وعندي أن هذا النوع أخطر وأكثر خفاء من تدليس التسوية لأمرين :
1- لكثرة وقوعه بخلاف التسوية ، فإنه نادر .
2- لأنه أكثر خفاء من التسوية كما تقدم .
والله تعالى أعلم .
وقليل من نبه على هذا النوع من أنواع التدليس ، وقد نبه عليه أيضاً الخطيب فقال في «الكفاية» (ص: 377) :
(باب في المحدث يروي حديثاً عن الرجلين أحدهما مجروح هل يجوز للطالب أن يسقط اسم المجروح ـ وذكر مثالاً ـ ثم قال: ولا يستحب للطالب أن يسقط المجروح ويجعل الحديث عن الثقة وحده خوفاً من أن يكون في حديث المجروح ما ليس في حديث الثقة وربما كان الراوي قد أدخل أحد اللفظين أو حمله عليه وقد سئل أحمد بن حنبل عن مثل هذا في الحديث يروى عن ثابت البناني وأبان بن أبي عياش عن أنس فقال فيه نحوا مما ذكرنا) اهـ .
وبسبب ذلك تكلم الحافظ في جمع من الرواة كانوا إذا حدثوا أحياناً يجمعون أكثر من واحد من شيوخهم في الحديث الواحد أو المسألة الواحدة ولا يفرقون بين رواية أحدهم عن الآخر وقد يكون بينهما اختلاف .
قال المروذي : سألت أحمد عن (محمد بن إسحاق) ، فقال: هو حسن الحديث ولكنه إذا جمع بين الرجلين ، قلت: كيف؟ قال: يحدثِّ عن الزهري فَيَحْمِلُ حديث هذا على هذا .. اهـ من «العلل» رواية المروذي (ص: 61) .
* وقال ابن سعد في «الطبقات» (6/349) :
(إن ليثا(1) كان سأل عطاء وطاووس ومجاهداً عن الشيء فيختلفون فيه ، فيحكي عنهم في ذلك الاتفاق من غير تعمد له) اهـ.
* وقال أبو يعلى الخليلي في « الإرشاد » (1/417) :
( ذاكرت يوما بعض الحفاظ فقلت: البخاري لم يخرّج حماد بن سلمة في الصحيح وهو زاهد ثقة. فقال: لأنه جمع بين جماعة من أصحاب أنس ، فيقول: حدثنا قتادة وثابت وعبد العزيز بن صهيب ، وربما يخالف في بعض ذلك . فقلت: أليس ابن وهب اتفقوا عليه وهو يجمع بين أسانيد ، فيقول ثنا مالك وعمرو بن الحارث والليث بن سعد والأوزاعي بأحاديث ويجمع بين جماعة وغيرهم؟ فقال: ابن وهب أتقن لما يرويه وأحفظ له) اهـ .
قال ابن رجب ـ تعليقاً على ما تقدم ـ :
( ومعنى هذا أن الرجل إذا جمع بين حديث جماعة وساق الحديث سياقة واحدة فالظاهر أن لفظهم لم يتفق فلم يقبل هذا الجمع إلا من حافظ متقن لحديثه يعرف اتفاق شيوخه واختلافهم كما كان الزهري يجمع بين شيوخ له في حديث الإفك وغيره) اهـ من «شرح العلل» (ص: 463) .
وقد أطال ابن رجب في «شرح العلل» الكلام على هذه المسألة وذكر الأمثلة الكثيرة على ذلك .
وأما تدليس القطع:
فلا أعرف أن أحداً وصف به سوى (عمر بن علي المقدمي) وتقدم الكلام على هذا ، ويظهر أن فعله لهذا نادر كما بيّن المؤلف وفقه الله تعالى .
وأما تدليس الصيغ:
فالمقصود به : عندما يستعمل بعض الرواة صيغة التحديث أو الإخبار في الإجازة موهماً للسماع ونحو ذلك من تدليس صيغة التحمل .
* قال أبو الفضل بن حجر في «طبقات المدلسين» (ص: 62) :
(ويلتحق بالتدليس ما يقع من بعض المحدثين من التعبير بالتحديث أو الإخبار عن الإجازة موهماً للسماع ولا يكون سمع من ذلك الشيخ شيئاً) اهـ .
ونبه عليه أيضاً في «النكت على ابن الصلاح» ينظر (2/624 و 625 و 633) . وممن وصف بذلك أبو نعيم الأصبهاني ، قال ابن حجر في «طبقات المدلسين » (ص: 82) : (كانت له إجازة من أناس أدركهم ولم يلقهم فكان يروي عنهم بصيغة أخبرنا ولا يبين كونها إجازة لكنه كان إذا حدث عمن سمع منه يقول: ثنا سواء ذلك قراءة أو سماعاً وهو اصطلاح له تبعه عليه بعضهم ، وفيه نوع تدليس لمن لا يعرف ذلك) اهـ .
قلت: والأمثلة على هذا كثيرة .
وأما تدليس البلدان:
فهو : أن يقول الراوي مثلاً: حدثنا بما وراء النهر ، ويقصد بالنهر (دجلة) وليس (نهر جيحون) . ينظر «الاقتراح» لابن دقيق العيد (ص: 212) .
وأما تدليس المتون:
فقد ذكره أبو المظفر السمعاني في كتابه « قواطع الأدلة » (2/323) فقال : ( وأما من يدلس في المتون فهذا مطرح الحديث مجروح العدالة وهو ممن يحرف الكلم عن مواضعه فكان ملحقاً بالكذابين ولم يقبل حديثه) اهـ .
قلت: إذا كان أبو المظفر يقصد تغيير المتن تعمداً من الراوي أو حمل هذا المتن على إسناد آخر فهذا كذب لمن تعمده ، ولكن لا يسمى ـ اصطلاحاً ـ تدليساً، وأما إذا لم يتعمد فهذا أيضاً لا يسمى تدليساً وإنما خطأ وسوء حفظ(1).
وأما التدليس الأخير:
وهو الحادي عشر: فالمقصود به هو مثل ما رواه أبو إسحاق السبيعي عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود قال: خرج النبيصلى الله عليه وسلم لحاجته … اهـ .
وقد اختلف على أبي إسحاق في هذا الحديث فرواه: زهير عنه عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه عن عبد الله ، ورواه غيره عن أبي إسحاق غير ما تقدم .
* قال أبو عبد الله الحاكم في « معرفة علوم الحديث » (ص: 135):
( قال علي : وكان زهير وإسرائيل يقولان عن أبي إسحاق أنه كان يقول ليس أبو عبيدة حدثنا ولكن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه عن النبيصلى الله عليه وسلم في الاستنجاء بالأحجار الثلاثة .
قال ابن الشاذكوني: ما سمعت بتدليس قط أعجب من هذا ولا أخفى ، قال أبو عبيدة: لم يحدثني ولكن عبد الرحمن عن فلان عن فلان ولم يقل حدثني فجاز الحديث وسار) اهـ .
فالشاذكوني يرى أن أبا إسحاق دلس في قوله: ليس أبو عبيدة ذكره … ولذلك قال : ما سمعت بتدليس قط أعجب من هذا ولا أخفى ، وهو تدليس في الإسناد في الحقيقة ولكن صورته قد تختلف .
قلت : ومثله ما رواه عبد الله بن أحمد في «العلل» (2229) فقال: ثني أبي قال ثنا هشيم قال: أما المغيرة وأما الحسن بن عبيد الله عن إبراهيم: لم ير بأسا بمصافحة المرأة التي قد خلت من وراء الثوب .
قال عبد الله : سمعت أبي يقول: لم يسمعه من مغيرة ولا من الحسن بن عبيد الله اهـ .
وقريب مما تقدم ولكنه ليس مثله :
ما رواه أيضاً عبد الله في « العلل » (2243): ثني أبي ثنا هشيم عن التميمي عن أبي الضحى والحسن بن عبيد الله عن أبي الضحى أن رجلاً جاء إلى ابن عباس … قال عبد الله ، قال أبي: لم يسمعه هشيم من التميمي ولا من الحسن بن عبيد الله شيئاً .
والله أعلم ، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
* * *



([1]) تم تحرير هذا البحث في 4/4/1421 .

(1) وقد ذكر أهل العلم تقسيمات أخرى للتدليس.

(1) وقد وصفه الحافظ ابن حجر بذلك على الصواب كما في « طبقات المدلسين » له .

(1) أي ممن تقدم.

(2) قد يلاحظ على ابن سعد اهتمامه بالتدليس من خلال حكمه على الرواة.

(3) سيأتي إن شاء الله تعالى الكلام عليه.

(1) كذا ، ويبدو أن هناك سقطا في الكلام.

(2) وهذا النوع من التدليس لم يثبت أن الوليد كان يفعله إلا في حديث الأوزاعي وقد بين ذلك في هذه الرسالة.

(3) ذكرت هذا ، وقد وجدت أن المؤلف وفقه الله تعالى قد ذكره.

(1) وصفه بذلك أبو زرعة الدمشقي ، كما في «المجروحين» لابن حبان (1/94) .

(2) وصفه بذلك أو زرعة الدمشقي ، كما في «المجروحين» لابن حبان (1/94) .

(3) وصفهما (الأعمش والثوري) الخطيب كما في «الكفاية» (ص: 364) ونقل في( ص: 365) عن عثمان بن سعيد الدارمي أن الاعمش ربما فعل ذا. اهـ.

(4) «النكت» لابن حجر( 2/621 ) ، وقد ذكر الإمام أحمد أمثلة كثيرة جداً على تدليس هشيم كما في العلل براوية عبد الله ، وفي هذه الأمثلة أنواع من التدليس كان يفعلها هشيم ، ومنها (723) لعله من تدليس التسوية .

(5) وصفه بذلك ابن رجب كما في شرح العلل (ص: 473) .

(6) وصفه ابن حبان بذلك في «المجروحين» (1/116) .

(7)كما في «المجروحين» لابن حبان (1/201) فقال: وإنما امتحن بقية بتلاميذ له كانوا يسقطون الضعفاء منحديثه فالتزق ذلك كله به ا هـ .

(1) في الأصل معرفة.

(1) هذا ما جاء في أكثر نسخ الترمذي ، وفي نسخة: (حسن صحيح) ، والأول أصح لأنه جاء في أكثر النسخ.

(1) هو: ابن أبي سليم.

(1) وقال محقق « القواطع » : تدليس المتون: هو المسمى في اصطلاح المحدثين (المدرج) .. قلت: فإذا كان المقصود هو هذا فهذا يسمى في الاصطلاح إدراجاً كما تقدم .